من معتقل بتهمة الخيانة إلى موقع القيادة.. كيف تجاوز اللواء "اليميني" الفخاخ التي نصبتها له الإمارات؟
الأحد - 08 فبراير 2026 - الساعة 06:07 ص
الوطن العدنية/المصدر اونلاين
وصل اللواء محمد عمر اليميني، الخميس، إلى مقر قيادة المنطقة العسكرية الثانية في المكلا مركز محافظة حضرموت، شرقي اليمن، بعد أسابيع من صدور قرار تعيينه قائداً للمنطقة، في عودة تحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز التغيير الإداري، وتعيد فتح ملف ظل يراوح مكانه منذ اعتقاله في مارس 2025، حين كان يشغل منصب أركان حرب المنطقة.
تأتي هذه العودة بوصفها خاتمة لمسار استهداف منظم، سعى لإعادة هندسة القيادة العسكرية في حضرموت والمهرة، حيث تمتد مساحة اختصاص المنطقة العسكرية، وإزاحة ضابط وضع اسمه فجأة في واجهة اتهامات أمنية ثقيلة، قبل أن تنتهي القصة على نحو مغاير لما رسم لها.
وفي مارس 2025، اقتحمت قوة مسلحة مقر قيادة المنطقة العسكرية الثانية في المكلا، وقامت باعتقال اللواء اليميني ومصادرة هواتفه الشخصية، ووفق مصادر عسكرية وقبلية في حضرموت، فإن تلك القوة كانت تابعة عملياً لدولة الإمارات، ونفذت العملية بتنسيق مع قيادة المنطقة في ذلك الوقت، في إطار ترتيبات أوسع استهدفت إبعاده من المشهد العسكري ضمن التهيئة للتحركات العسكرية التي شهدتها المحافظة فيما بعد.
وعقب الاعتقال، جرى تسويق رواية تتحدث عن العثور على مراسلات في هواتف اليميني مع الشيخ علي سالم الحريزي، وربطها باتهامات تتصل بخدمة الحوثيين، لم تُعرض هذه المراسلات في مسار قضائي واضح، لكنها شكّلت أساساً لحملة إعلامية واسعة قادها إعلام المجلس الانتقالي ومنصات موالية لأبوظبي، قدّمت اليميني بوصفه اختراقاً أمنياً خطيراً داخل المنطقة العسكرية الثانية، في خطوة تقول المصادر إنها ترقى إلى مستوى "الاغتيال المعنوي".
وبحسب مصدر حضرمي مطلع على ملابسات القضية، تحدث لـ"المصدر أونلاين" فإن اعتقال اليميني لم يكن إجراءً عادياً، بل مرحلة تمهيدية لابتلاع المنطقة العسكرية الثانية، أدارها المحافظ السابق للمحافظة، مبخوت بن ماضي وقائد المنطقة السابق طالب بارجاش، ووقفت خلفها الإمارات، بهدف إفراغ القيادة العسكرية في حضرموت من أي حضور لا يخدم مشروعها.
ويضيف المصدر أن نقل اليميني لاحقاً إلى الرياض جاء كخطوة استباقية قطعت الطريق على سيناريو كان يحضّر لنقله إلى أبو ظبي.
وكانت وزارة الدفاع في عدن، قد شكلت لجنة تحقيق، وصلت إلى المكلا وبدأت عملها، قبل أن تتلقى اتصالاً من قيادة التحالف العربي المساند للشرعية، لتنتقل اللجنة واللواء اليميني على متن طائرة عسكرية إلى الرياض، وهناك، تسلّمت جهات سعودية ملف القضية، فيما أُبلغت لجنة التحقيق بعد نحو أسبوعين بانتهاء مهمتها وطلب منها المغادرة، بينما بقي اليميني في الرياض.
في العاصمة السعودية، أُعيدت قراءة الملف وما توصلت له لجنة التحقيق والأدلة، وفق المصادر، بعيداً عن الزخم الإعلامي الذي رافق الاعتقال، وانتهى المسار عملياً إلى تبرئة اليميني من التهم التي وُجّهت إليه، من دون إصدار بيان رسمي يوضح النتائج، غير أن التطورات اللاحقة كانت كفيلة بإعطاء تلك التبرئة معناها.
فمع اقتراب نهاية العام، بدأت قوات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، بتحشيد قواتها نحو حضرموت، وتمكنت خلال فترة قصيرة من اجتياح حضرموت والمهرة، استعداداً لإعلان فصل جنوب البلاد وشرقه عن شماله وغربه، وهناك في عدن العاصمة المؤقتة الواقعة تحت سيطرة الانتقالي أيضا، قام المجلس بمحاولة اختطاف رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي، غير أن موقف القوات السعودية حال دون ذلك، ليغادر الرئيس العاصمة المؤقتة عدن الى الرياض.
وطالب رئيس مجلس القيادة المجلس الإنتقالي بسحب قواته من حضرموت والمهرة وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، ونزلت لجنة سعودية إماراتية مشتركة إلى عدن، غير أن الانتقالي ومن خلفه الإمارات، تمسكا بموقف الرفض، ليتصاعد التوتر بين مجلس القيادة الرئاسي من جهة، والإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي من جهة أخرى، ويتجه الموقف السعودي إلى دعم المجلس الرئاسي، ورفض أي تغيير عسكري خارج إطار الدولة.
وبعد نحو شهر من المحاولات، حانت لحظة الحقيقة، حين استجاب تحالف دعم الشرعية لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وينفذ قصفاً جويا على آليات عسكرية جلبتها الإمارات الى ميناء المكلا دعماً لحلفائها استعدادا لمرحلة جديدة من التصعيد، ويعلن رئيس مجلس القيادة حالة الطوارئ في البلاد وإغلاق المنافذ، ويطلب من دولة الإمارات مغادرة قواتها اليمن خلال 24 ساعة وإنهاء مشاركتها في التحالف.
تحول المشهد في حضرموت والشرق عموماً بشكل تام بعد ذلك، لتبدأ بقيادة محافظ حضرموت الجديد سالم الخنبشي، عملية عسكرية أطلق عليها "عملية استلام المعسكرات" في الثالث من يناير الماضي، نجحت في استعادة السيطرة على حضرموت والمهرة خلال يومين، ويقال بعدها قائد المنطقة العسكرية الثانية طالب بارجاش، الذي أعلن ولاءه للمجلس الانتقالي، ويصدر قرار بتعيين محمد عمر اليميني قائداً للمنطقة، إيذاناً بحلول مرحلة جديدة.
جاء هذا التعيين بوصفه إعادة اعتبار صريحة، لا لشخص اليميني فقط، بل لمفهوم السيطرة العسكرية للدولة في المحافظات الشرقية، كما عُدّ مؤشراً على فشل مسار إقصاء استند إلى اتهامات وحملات تشويه إعلامية استخدمت في السابق مع آخرين لم يتماشوا مع سياسة أبوظبي التخريبية في اليمن، ومحاولات فرض أمر واقع بقوة النفوذ الإقليمي.
وينتمي اليميني إلى قبيلة الحموم، التي ينتمي إليها أيضاً الشيخ عمرو بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت ووكيل المحافظة، والشخصية القوية فيها، كما ينتمي لها اللواء فرج البحسني، عضو مجلس القيادة الرئاسي، الذي أقيل لاحقاً، وعلى الرغم من تمالؤ البحسني ضد ابن قبيلته في بداية الأزمة، إلا أن موقفه تغير في بيان صدر عنه منتصف نوفمبر وأيدته قيادة النخبة الحضرمية التي يعتبر اليميني من أبرز مؤسسيها، وطالبوا بإعادة الاعتبار له، وتحول موقفه إلى موقف داعم تقول المصادر إنه جاء نتيجة الانتماء القبلي والعلاقة العسكرية، إضافة إلى خلاف حاد كان قائماً بين البحسني من جهة، ومبخوت بن ماضي وطالب بارجاش من جهة أخرى. وكان البحسني، وفق هذه المصادر، يرى أن صعود الاثنين جاء على حساب تفتيت حضوره العسكري والمدني في حضرموت.
تقول مصادر عسكرية وقبلية في حضرموت تحدثت لـ"المصدر أونلاين"، إنه لا يمكن اختزال ما جرى مع اللواء اليميني في واقعة اعتقال أعقبها تعيين، بل هو فصل من مسار أوسع استهدف إعادة تشكيل موازين القوة داخل المؤسسة العسكرية في الساحل، فما حدث في مارس 2025، وفق هذه الروايات، كان خطوة في مسار يستهدف إزاحة قيادات بعينها وفتح المجال أمام نفوذ سياسي وعسكري يتجاوز الأطر التقليدية لمؤسسات الدولة، عبر إخراج اليميني من المعادلة بتهم ثقيلة، تمهيدًا لإعادة ترتيب القيادة العسكرية وفرض واقع جديد في المحافظة.
غير أن هذا المسار هزم، كما تقول المصادر ذاتها، مع التطورات الميدانية اللاحقة، التي أظهرت الارتباطات السياسية والعسكرية لبعض القيادات التي صعدت في تلك المرحلة، وعندما خرج الملف من نطاقه الأمني، واتضح أنه جزءٌ من صراع أوسع على حضرموت والمهرة وموقعهما في معادلة النفوذ، قبل أن يكون قضية تتعلق بضابط رفيع داخل مؤسسة عسكرية.
اهم الاخبار - صحيفة الوطن العدنية