الوطن العدنية/كتب_محمد ابوبكر بن اسحاق
لم تعد الأعلام مجرد أدوات لنقل الخبر، بل غدت في كثير من الأحيان وسائل حرب ناعمة، تُدار بها الصراعات وتُحرّك بها العقول، وتُصنع عبرها الأزمات أو تُدفن الحقائق. فالإعلام اليوم لا يقف دائمًا على مسافة واحدة من الجميع؛ إن لم يكن معك كان عليك، وإن لم يخدم قضيتك صنع ضدك قضية أخرى.
تكمن خطورة الإعلام في قدرته على تضخيم الصغير حتى يبدو مصيريًا، وإحياء المنتهي وكأنه ما يزال قائمًا، بل وقد يُصوَّر حدثٌ عابر كأنه تهديد وجودي، فقط لأن جهة ما تحتاج إلى ذلك الضجيج. هنا لا يعود الخبر خبرًا، بل أداة ضغط، ولا يصبح التحليل رأيًا، بل توجيهًا مقصودًا.
في بيئاتٍ هشة أصلًا، كالمجتمعات الخارجة من نزاعات أو التي تعيش انقسامًا سياسيًا، يتحول الإعلام إلى لاعب أساسي في إشعال الفتنة. كلمة غير مسؤولة، عنوان مستفز، صورة مبتورة عن سياقها… كل ذلك كفيل بإشعال شارع، أو كسر ثقة، أو تعميق كراهية بين أبناء القضية الواحدة.
الإعلام الذي يُفترض أن يكون جسرًا للحقيقة، يصبح أحيانًا منصة للفرز والاستقطاب: نحن وهم، وطني وخائن، مع وضد. ومع هذا التقسيم الحاد تُلغى الحكمة، ويُغتال العقل الجمعي، وتُختصر القضايا المعقّدة في شعارات سطحية تخدم لحظة سياسية لا أكثر.
الأخطر من ذلك أن تضخيم القضايا المصطنعة يصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية: معاناة الناس، حقوقهم، فساد المتنفذين، وفشل السياسات. ينشغل الرأي العام بمعارك وهمية، بينما تُدار المصالح الحقيقية في الظل، بلا ضجيج ولا مساءلة.
ليس المطلوب إعلامًا صامتًا، بل إعلامًا مسؤولًا، يدرك أن الكلمة قد تُنقذ كما قد تُدمّر، وأن الإثارة ليست سبقًا صحفيًا، وأن الفتنة – متى اشتعلت – لا تفرّق بين من أشعلها ومن احترق بها.
فالإعلام سلاح…
إما أن يُستخدم لحماية الوعي،
أو يُستغل لتخريب الأوطان.