مقالات وآراء

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 11:34 م بتوقيت اليمن ،،،

كتبه: الدكتور عبدالعزيز صالح جابر

لم تعد المكلا يومًا مدينة تستقبل العائدين بضجيج الشعارات ولا بصخب اللحظة، بل بسكينة القلوب وهدوء البحر الذي يهمس ولا يصرخ، وبجبلٍ يصافح الموج بابتسامة واثقة، إلى هذه المدينة، مدينة السلام والوئام، كانت العودة… لا عودة إلى مكان فحسب، بل إلى معنى عميق اسمه الطمأنينة والانتماء.

بعد غيابٍ دام 528 يومًا، منذ 31 يوليو 2024، عاد الشيخ عمرو علي بن حبريش العليي إلى المكلا. عاد دون نشوة نصر على أحد، ودون لغة غالب ومغلوب، بل ممتلئًا بورود السلام وزهور التسامح، حاملاً رسالة تتجاوز الأشخاص وتخاطب الجوهر: أن حضرموت لا تُدار بالضجيج، ولا تُبنى بالخصومة.

هذه العودة لم تكن لإغلاق صفحة، بل لفتح أفق، لم تكن لاستدعاء الجراح، بل لمحاولة تضميدها.

ففي زمنٍ أثقلته الاستقطابات، بدت عودة بن حبريش كإشارة واعية إلى أن التذكير بالماضي لا يكون دائمًا لاستحضار الألم، بل أحيانًا لاستخلاص الحكمة ومنع تكرار الأخطاء.

راية حضرموت التي عاد بها لم تكن راية صراع أو إقصاء، بل راية كرامة وحقوق وهوية وسيادة؛ راية تحفظ ولا تُقصي، وتجمع ولا تُفرّق.

هي راية تُذكّر بأن حضرموت، بتاريخها وثقلها الاجتماعي، قادرة على أن تكون نموذجًا للتوافق لا ساحة للتنازع.

الأهم أن هذه العودة حملت مشروع مرحلة، لا خطاب لحظة. مرحلة عنوانها المصالحة، وروحها التسامح، وأفقها بناء الحاضر ورسم ملامح المستقبل. مشروع يدرك أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، ولا تُحمى بالقسوة، بل تُصان بالحكمة، وبأن يتقدّم صوت العفو على ضجيج الخصومة.

بصفته الوكيل الأول لمحافظة حضرموت، ورئيس حلف قبائل حضرموت، ورئيس مؤتمر حضرموت الجامع، عاد بن حبريش وهو يحمل قناعة راسخة بأن الشراكة هي الطريق الأقصر للاستقرار، وأن العقل هو الحارس الحقيقي للحقوق، وأن السلام ليس ضعفًا بل أعلى درجات القوة السياسية والاجتماعية.

إنها عودة ليست رجوع رجل فقط، بل رجوع معنى؛ معنى أن حضرموت تتسع لجميع أبنائها، وأن مستقبلها لا يُكتب بالإقصاء بل بالشراكة، ولا يُحمى بالاندفاع بل بالتعقّل، ولا يُزهر إلا في مناخ السلام والوفاء.
مرحبًا بك في المكلا.

حيث تبدأ الحكاية من جديد، لا كما كانت، بل كما ينبغي أن تكون.