الوطن العدنية/المصدر اونلاين
منذ فجر السابع عشر من نوفمبر 2017، لم تعد الحياة كما كانت في منزل القيادي بالمقاومة الشعبية في عدن، عادل الحداد، ففي ذلك اليوم، فُتح باب الغياب على مصراعيه، وتحولت الأسرة إلى شاهد حي على واحدة من أكثر قصص الإخفاء القسري إيلامًا في المدينة.
وعلى الرغم من مرور سبع سنوات على هذه الحادثة المؤلمة، لا يزال الصمت هو الجواب الوحيد، فيما تتمسك زوجته، أروى الحداد، بأمل هشّ يرفض الانطفاء رغم ثقل الانتظار.
تستعيد أروى، في حديثها لـ"المصدر أونلاين"، آخر لحظة جمعتها بزوجها، وتقول إن تلك اللحظة كانت بداية لانهيار طويل لم يتوقف حتى اليوم، فوالدة عادل، التي علّقت قلبها على عودته، لم تحتمل قسوة الغياب، وأصيبت بتلف في الدماغ بعد سنوات من الحزن والترقّب، لتغيب هي الأخرى، وإن بقيت على قيد الحياة.
ولم تكن أروى بمنأى عن هذا الانهيار، فمع غياب المعيل، وجدت نفسها في مواجهة حياة قاسية أرهقتها نفسيًا وصحيًا، وأدخلتها في دوامة من المرض والمعاناة، حيث أُصيبت بذبحة صدرية وارتفاع ضغط الدم، واضطرت إلى الخروج إلى سوق العمل لتأمين لقمة العيش، بينما حُرم اثنان من أبنائها من التعليم، واضطرّا للعمل لمساندة الأسرة في مواجهة أعباء الحياة.
أما الأطفال فقد كانوا الحلقة الأضعف في هذه المأساة، حيث تتحدث أروى عن اضطرابات نفسية طالت أبناءها، من خوف دائم وقلق مستمر إلى التبول اللاإرادي، في مشهد يعكس حجم الصدمة التي خلّفها غياب الأب، مؤكدة أنها اضطرت إلى مغادرة منزلها والانتقال إلى مكان آخر، في محاولة يائسة لحماية أطفالها من الضغوط، وتوفير قدر ضئيل من الاستقرار المفقود.
وخلال السنوات الأولى للاختفاء، لم يتوقف الألم عند حدود الغياب، بل امتد إلى محاولات ابتزاز قاسية، حيث تروي أروى أن مجهولين تواصلوا معهم مطالبين بمبالغ مالية مقابل وعود كاذبة بالحصول على معلومات عن عادل، أو حتى سماع صوته.
وتؤكد أروى أنه في كل مرة تصلهم شائعة عن تصفيته، كانت الأسرة تعيش فاجعة جديدة، وتقول بحرقة: "كل مرة يقولوا مات… كانت قلوبنا تموت ألف مرة".
وتشير أروى إلى فاجعة أخرى تعرضت لها الأسرة، تمثلت في وفاة نجل عادل الأكبر، الذي كان يتحمل معها جزءً من أعباء الحياة لمساعدة إخوته الصغار، ورحل قبل أن يتحقق حلمه الوحيد برؤية والده، "مات وهو ينتظر أبوه" تروي زوجة الضحية المشهد الأخير في تراجيديا مركبة لم تستطع الإمساك بأطرافها.
وتطرقت أروى إلى أن معاناتهم لم تنتهِ عند هذا الحد، فمحاولاتها وعشرات النساء من ذوي المختطفين لتنظيم وقفات احتجاجية قوبلت بالمنع والاعتداء، ومصادرة الهواتف، بحجج تتعلق بعدم وجود تصاريح، في حين واجهتهم الجهات الرسمية بالإنكار، مدعية أن ذويهم متواجدون في السجون الرسمية.
وسط هذا السواد، لم تجد الأسر من يشاركهم حزنهم سوى "رابطة أمهات المختطفين"، التي تقول أروى إنها كانت المتنفس الوحيد والداعم الأقرب نفسيًا وحقوقيًا، وساهمت في إبقاء قضية المخفيين قسرًا حاضرة في الوعي العام رغم محاولات طمسها.
ووجهت أروى في ختام حديثها نداءً موجعاً إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والمنظمات الدولية، لم يحمل سوى مطلب واحد: "الحقيقة… وعودة الغائبين، أو على الأقل إنهاء هذا الانتظار القاتل"، وإعطاء ملف المختطفين والمخفيين قسرًا أولوية قصوى.
وتبقى قصة القيادي بالمقاومة الشعبية عادل الحداد واحدة من عشرات القصص المؤلمة لعشرات الأسر في عدن، التي غيّبت السجون السرية ذويهم لسنوات، وتركت العائلات تقاسي ألم الفرقة وعذاب الانتظار لخبر قد يكشف لهم مصير أحبائهم.