مقالات وآراء

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 12:22 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب/ابراهيم العثيمين

وأنا أتابع الاجتماع التشاوري الذي عقد في الرياض، والذي جمع قيادات ومكونات المشهد السياسي والاجتماعي في الجنوب اليمني، وما لحقه من زخم سياسي غير مسبوق تمهيداً لمؤتمر الحوار الجنوبي الشامل، وفي مسعى جاد لبلورة رؤية سياسية جامعة تعالج القضية الجنوبية عبر مسار سياسي وأمني شامل، بعيداً عن العنف والتصعيد، وعن إنتاج صراعات لا تخدم اليمن ولا مستقبله، استحضرتُ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». فالحكمة اليمنية، عبر التاريخ، لم تكن مجرد وصفٍ أخلاقي، بل شكّلت ركيزة أصيلة في إدارة التعدد والخلاف بين المكونات اليمنية، وقاعدة لتغليب المصلحة العامة على اعتبارات اللحظة، والاصطفاف، والانفعال السياسي. ومن هنا يبرز الحوار الجنوبي – الجنوبي في هذه اللحظة الإقليمية الدقيقة بعدّه مساراً يمنيّاً – يمنيّاً أصيلاً، ومحطة مفصلية لإعادة صياغة مستقبل جنوب اليمن، عبر ترميم الثقة بين المكونات الجنوبية، ومنع الانقسام الداخلي، وإعادة ترتيب الأولويات حول استقرار الجنوب بوصفه ركيزة لاستقرار اليمن ككل، وليس ساحة صراع جديدة.

القضية الجنوبية قضية مهمة وتعدّ من القضايا الوطنية الجوهرية في المشهد اليمني، وقد تصدرت المشهد السياسي في الآونة الأخيرة بوصفها واحدة من أكثر الملفات حضوراً وتأثيراً في معادلة الاستقرار الوطني، في ظل التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها المحافظات الجنوبية، ولا سيما حضرموت والمهرة، وما استتبعها من تدخل لتحالف دعم الشرعية بهدف حماية الاستقرار ومنع اتساع دائرة التوتر. ومنذ اندلاع الأزمة اليمنية عام 2011، لم تكن القضية الجنوبية ملفاً قابلاً للتجاوز أو الاختزال، بل ظلت حاضرة في صلب النقاش الوطني، وحظيت باهتمام واعتراف صريح بعدالتها ضمن مخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل، بوصفها تعبيراً عن مطالب سياسية وحقوقية ومجتمعية متراكمة، لا يمكن التعامل معها كقضية هامشية، بل كاستحقاق وطني يتطلب معالجة شاملة ومتدرجة. ويعكس قبول المكون الجنوبي بطرح هذه القضية ضمن إطار الحوار إدراكاً سياسياً واعياً بأن معالجتها لا يمكن أن تتحقق عبر حلول جزئية أو منطق الغلبة، وإنما من خلال مسار حواري عقلاني ومتدرج، يعالج جذور الإشكاليات، ويستوعب التحولات القائمة، ويوازن بصورة مسؤولة بين الحقوق المشروعة لأبناء الجنوب ومتطلبات الاستقرار الوطني الشامل، انطلاقاً من توافق وطني جنوبي شامل يعبر عن التطلعات الشعبية دون إقصاء أو تهميش.إن رعاية السعودية لهذا الحوار بطلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، تعدّ إعادة اعتبار للدبلوماسية الوقائية كأداة استراتيجية، لا بوصفها إدارة للأزمات فحسب، بل بوصفها منهجاً لبنائها على أسس مستدامة. فالسعودية الحريصة على أمن اليمن واستقراره والتي خبرت تعقيدات الملف اليمني على مدى سنوات، بحكم الجوار الجغرافي والامتداد الاجتماعي والتداخل الأمني والاقتصادي، أدركت أن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تقوم على حلول أحادية مفروضة أو صفقات جزئية، وإنما على مسار حوار يمني – يمني أصيل، يتيح لكل المكونات التعبير عن رؤاها، ضمن إطار جامع يحفظ وحدة الصف، ويمنع انزلاق الجنوب إلى تنافس داخلي يستنزف طاقته السياسية والاجتماعية.كما أن السعودية لم تطرح نفسها طرفاً في المعادلة الجنوبية، بل هي وسيط ضامن، يسعى إلى تهيئة بيئة آمنة للحوار، وتوفير مظلة سياسية ودبلوماسية تسمح للأطراف اليمنية بالانتقال من منطق الشك إلى منطق الشراكة، وهذا ما أكدته تصريحات مسؤوليها وفي مقدمتهم وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، بأن دورها يقوم على رعاية التوافق لا فرض الخيارات، وعلى دعم حوار جنوبي مسؤول يفضي إلى شراكة حقيقية قادرة على إعادة بناء الثقة، وصياغة مستقبل مستقر للجنوب اليمني ضمن إطار وطني جامع. في وقت يعوّل فيه الداخل اليمني الجنوبي والأوساط الاقليمية والدولية على أن تشكل مخرجات هذا المسار حجر الزاوية في رسم مستقبل جنوب اليمن، وفقاً لرؤية يقررها أبناء المحافظات الجنوبية أنفسهم، دون إقصاء أو تهميش، وعلى قاعدة الشراكة والتوافق الوطني. كما أن رعاية السعودية لهذا الحوار هي كذلك إدراك استراتيجي بأن استقرار الجنوب اليمني لم يعد شأناً يمنياً داخلياً فحسب، بل هو عنصر توازن أساسي في معادلة الأمن الإقليمي، لما يمثله الجنوب من موقع جغرافي حيوي يتقاطع فيه أمن الخليج مع أمن البحر الأحمر، وخطوط الملاحة الدولية وممرات الطاقة والتجارة العالمية. ومن ثمّ فإن الوساطة السعودية لا تهدف إلى تهدئة هشة ومؤقتة، بل إلى تأسيس مسار سياسي طويل الأمد، يعيد الاعتبار لمنطق الدولة اليمنية وقدرتها على إدارة خلافاتها من الداخل ضمن إطار وطني جامع، ويمنح المنطقة فرصة لتثبيت معادلة الاستقرار بعد أعوام من الفوضى وعدم الاستقرار. كما أن التزام المملكة دعمَ وإدماج مخرجات مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل ضمن إطار التسوية الشاملة أو الحوار الوطني اليمني الشامل يمنحه ثقلاً سياسياً واستراتيجياً، ويجعل منه جزءاً من معادلة الحل لا مساراً موازياً لها، ويعزز فرص ترسيخه كمرجعية سياسية قابلة للاعتراف الدولي والأممي، وقادرة على التفاعل مع مسارات الحل الأخرى ضمن إطار وطني ودولي متكامل.

لا شكَّ أن عقد مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي برعاية مباشرة من السعودية، فرصة تاريخية، إن أحسن الأشقاء في اليمن استثمارها، يمكن أن تتحول من مبادرة سياسية إلى نقطة انعطاف في مسار الأزمة اليمنية، ومن محاولة لتجاوز الخلاف إلى أساس لبناء دولة أكثر توازناً وعدالة واستقراراً، ليس لليمن وحده، بل للمنطقة بأسرها. وينبغي التعويل كما ذُكر سابقاً على الحكمة اليمنية، وأن يتحول هذا الإرث التاريخي العريق إلى مشروع وطني جامع. فاجتماع هذه الخلطة الذهبية بين حكمة يمنية متجذرة، ومسار حواري جنوبي مسؤول، ورعاية سعودية، سوف ينتج عنه بلا شك أفقٌ جديد لليمن، قوامه الحوار والتوافق والشراكة.

الشرق الاوسط