الوطن العدنية / تقرير خاص
تعد ظاهرة القراءات الصفرية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه قطاع الكهرباء، لما لها من تأثير مباشر على كفاءة منظومة الفوترة والتحصيل واستدامة الموارد المالية للمؤسسة، حيث تمثل أحد العوامل التي ساهمت في ارتفاع مستوى الفاقد التجاري خلال السنوات الماضية.
ويقصد بالقراءات الصفرية تسجيل العداد دون أي استهلاك أو بقائه على قراءة صفرية، رغم وجود منشآت أو مساكن أو محال تجارية يفترض أن تسجل استهلاكا فعليا للطاقة الكهربائية.
وبرزت هذه الظاهرة قبل عام 2015، إلا أن وتيرتها تصاعدت بشكل ملحوظ بعد ذلك، واتسع نطاقها لتشمل أعدادا كبيرة من المشتركين في القطاعين السكني والتجاري، ولم تعد مقتصرة على حالات فردية، الأمر الذي انعكس سلبا على حجم الطاقة المباعة، وأدى إلى خسارة المؤسسة جزءًا من إيراداتها المستحقة، وارتفاع نسبة الفاقد التجاري.
وترجع أسباب انتشار هذه المشكلة إلى عدة عوامل، من أبرزها عدم دقة بعض القراءات نتيجة ضعف النزول الميداني أو القصور في المتابعة والرقابة، إضافة إلى وجود اهمال مؤسسي وحالات تجاوز وربط غير قانوني، ما يؤدي إلى إصدار فواتير لا تعكس حجم الاستهلاك الحقيقي، ويؤثر على عدالة احتساب الطاقة بين المشتركين.
ولا تقتصر آثار القراءات الصفرية على الجانب المالي فقط، وانما تمتد إلى إضعاف منظومة الفوترة، وصعوبة التخطيط المبني على بيانات دقيقة، وتقليص قدرة المؤسسة على تحسين مواردها وتطوير مستوى خدماتها التشغيلية.
وفي إطار جهود الإصلاح، أولى معالي وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اهتماما خاصا بهذا الملف، حيث ناقشه ضمن خطة شاملة لمعالجة الفاقد المالي، وتطوير منظومة الفوترة والتحصيل، باعتباره أحد الملفات الأساسية لتعزيز الاستدامة المالية لقطاع الكهرباء.
وشهدت الاجتماع الخاص بهذا الجانب وضع خطة عمل متكاملة لتطوير منظومة الفوترة والتحصيل المالي، ومكافحة الفاقد الفني والتجاري، ومعالجة إشكالية القراءات الصفرية وتصحيح مسارها، بما يضمن دقة احتساب الاستهلاك والحفاظ على موارد القطاع، إلى جانب تفعيل الرقابة والحد من التجاوزات والربط العشوائي وتحسين الأداء الإداري والمالي.
وتشمل خطة المعالجة تنفيذ برامج لتأهيل وتدريب قراء العدادات والعاملين في الإدارات التجارية والتفتيش الفني، ورفع كفاءتهم في التعامل مع مختلف أنواع العدادات، وضمان دقة القراءات الميدانية،
إضافة إلى تطوير آليات الفوترة، وتعزيز الرقابة على فرق القراءة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تسجيل الاستهلاك الفعلي لكل مشترك.
وفي سياق الإجراءات الإصلاحية الهادفة إلى تعزيز الاستدامة المالية للقطاع، جاءت مناقشة ملف التعرفة الكهربائية كأحد المحاور المرتبطة بتحسين كفاءة الإيرادات ورفع قدرة المؤسسة على مواجهة التحديات التشغيلية. وتوجت هذه النقاشات بإقرار عدد من التعديلات الرسمية على تعرفة الكهرباء الخاصة بالقطاعين التجاري والصناعي، إلى جانب مراجعة تعرفة الخطوط الساخنة، بما يحقق توازنا بين كلفة تقديم الخدمة ومتطلبات استمرارها.
كما جرى بحث إعادة تنظيم شرائح الاستهلاك المنزلي، لا سيما الشريحة ذات الاستهلاك الأعلى، بهدف تعزيز مبدأ العدالة الاستهلاكية، وترشيد استخدام الطاقة، ورفع كفاءة إدارة الموارد المتاحة.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن رؤية متكاملة لإصلاح منظومة الكهرباء، لا تقتصر على معالجة الاختلالات المالية فقط، وانما تشمل تحسين الفوترة والتحصيل، وتقليص الفاقد التجاري، وضمان احتساب الاستهلاك بصورة عادلة، بما يسهم في دعم استقرار قطاع الكهرباء وتحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.
إن معالجة القراءات الصفرية تعد خطوة استراتيجية لاستعادة الإيرادات المهدرة، وتقليص الفاقد التجاري، وتحقيق العدالة في احتساب الاستهلاك، بما يدعم استقرار قطاع الكهرباء ويسهم في تحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.