مقالات وآراء

الأحد - 02 أغسطس 2026 - الساعة 03:37 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص



هناك مفارقة يصعب تجاهلها..
في الوقت الذي يبحث فيه العالم عن كل فرصة لتقليل الانبعاثات الكربونية.ويوجه مليارات الدولارات لمساعدة الدول النامية على بناء مستقبل أكثر استدامة، ما زال المواطن في مدن كثيرة يعيش تحت وطأة انقطاع الكهرباء، وكأن ثورة الطاقة العالمية تحدث في مكان آخر لا يعنيه.
المفارقة الأكبر أن الأزمة لم تعد دائما في غياب التمويل وانما في القدرة على إدارة الفرصة عندما تصل.
منذ دخول اتفاقية باريس للمناخ حيز التنفيذ، تغيرت نظرة العالم إلى الطاقة. فلم تعد الكهرباء مجرد خدمة أساسية، وانما أصبحت جزء من معركة عالمية ضد التغير المناخي. ومن هنا ظهرت منظومة التمويل المناخي التي تقوم على مبدأ واضح: الدول التي استفادت لعقود من الوقود الأحفوري تتحمل مسؤولية دعم انتقال الدول النامية نحو الطاقة النظيفة.
ولهذا أُنشئت صناديق دولية بمليارات الدولارات، وفي مقدمتها صندوق المناخ الأخضر، إلى جانب برامج تمويل تديرها مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبنوك التنمية، بهدف دعم مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير شبكات الكهرباء ورفع كفاءة استخدام الطاقة.
لكن الهدف لم يكن ضخ الأموال وانما بناء منظومات قادرة على تحقيق تنمية مستدامة، وتقليل كلفة الطاقة، وتحسين حياة الناس.
وإذا كانت هناك مناطق يفترض أن تكون في مقدمة المستفيدين من هذه الفرص، فهي عدن وأبين وحضرموت والمهرة ولحج وشبوة.. مناطق تعاني تحديات كبيرة في قطاع الكهرباء، وتعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، وتحتاج إلى حلول نوعية تنقلها نحو مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه..
لماذا لا يشعر المواطن بأن هذه الفرص أحدثت تحول حقيقي في حياته؟!!!
والإجابة تبدأ من حقيقة أساسية.. التمويل وحده لا يصنع النجاح.
فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ، وإدارة تمتلك الكفاءة، وحوكمة تضمن وصول الموارد إلى أهدافها الحقيقية.
فعندما تضعف الشفافية أو تغيب الرقابة، تصبح حتى أفضل المبادرات معرضة للتعثر، وقد تتحول الفرصة من مشروع تنموي منتظر إلى ملف يثير التساؤلات بدل أن يكون قصة نجاح.
وهنا تظهر الكلفة الحقيقية...
فخسارة مشروع للطاقة المتجددة تعني ضياع استثمار مالي.و استمرار الاعتماد على الوقود مرتفع الكلفة، وتأجيل تحديث البنية التحتية، وحرمان المواطنين من خدمة كهربائية أكثر استقرار إضافة إلى إضعاف ثقة الجهات الدولية التي تبحث عن شركاء قادرين على إدارة التمويل بكفاءة ومسؤولية.
لقد أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن الدول التي نجحت في بناء قطاع طاقة قوي لم تكن بالضرورة الأغنى، لكنها كانت الأكثر قدرة على بناء مؤسسات فعالة، واحترام قواعد الشفافية، وربط كل استثمار بنتيجة ملموسة يشعر بها المواطن.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند توقيع اتفاقية التمويل، بل يبدأ بعدها.
فالمشروع الناجح يحتاج إلى دراسة واضحة، وتنفيذ منضبط، ورقابة مستمرة، وقياس حقيقي للأثر على الأرض.
كل دولار يُخصص للطاقة النظيفة يجب أن يتحول إلى قيمة مضافة: كهرباء مستقرة، واقتصاد أكثر قدرة، وفرص تنمية حقيقية... لا مجرد أرقام في تقارير أو عناوين في مؤتمرات.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بالبحث عن ممولين جدد، بل ببناء مؤسسات قادرة على إدارة الفرص، ووضع قواعد واضحة للشفافية والمساءلة، وإشراك المجتمع في معرفة أين تذهب الموارد وكيف تُنفذ المشاريع.
فإذا كان العالم يمد لنا يد العون عبر تمويل التحول إلى الطاقة النظيفة، فلماذا نسمح بأن تنحرف هذه الفرص عن هدفها الحقيقي، فتتحول من مشاريع تنموية تصنع المستقبل إلى صفقات تُفقدها قيمتها وتحرم الناس من أثرها.. فالأوطان لا تنهض بما يصل إليها من دعم، بل بما تحسن إدارته وتحويله إلى إنجاز. فالفرص قد تأتي مرة لكن ضياعها قد يكلف أجيال كاملة ثمن الانتظار.