الوطن العدنية/كتب/د. أنور أحمد قاسم
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُدار فقط عبر الطائرات والصواريخ والقدرات العسكرية، بل أصبحت الأسواق العالمية والطاقة والاقتصاد جزءاً أساسياً من أدوات الصراع وإدارة النفوذ الدولي.
إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الضربات على إيران لفترة محددة لا يمكن قراءته من زاوية عسكرية فقط، بل يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية مرتبطة بحسابات الأسواق العالمية، خصوصاً سوق النفط الذي يُعد أكثر الأسواق تأثراً بالتوترات في منطقة الشرق الأوسط.
فخلال فترة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، ارتفعت أسعار النفط العالمية نتيجة المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة، واحتمالات تأثر حركة الناقلات في الممرات البحرية الحيوية، حيث تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في ذروة المخاوف.
لكن بمجرد الإعلان عن وقف الضربات مؤقتاً وعودة احتمالات الحلول السياسية، تغيرت حركة الأسواق سريعاً، إذ تراجعت أسعار النفط بأكثر من 5%، وانخفض خام برنت إلى ما يقارب 91 دولاراً للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس إلى حدود 84 دولاراً للبرميل، نتيجة انخفاض علاوة المخاطر السياسية.
إن أي مواجهة عسكرية واسعة في منطقة الخليج لا تؤثر فقط على الدول المتحاربة، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، نظراً لأهمية المنطقة في إنتاج ونقل الطاقة.
وفي حال عودة الضربات الأمريكية على إيران واتساع نطاق المواجهة، فإن الأسواق ستعيد تسعير المخاطر، وقد نشهد ارتفاعاً جديداً في أسعار النفط، خصوصاً إذا تأثرت طرق الإمداد أو ارتفعت المخاوف المتعلقة بالممرات البحرية، وقد أشارت تقديرات مؤسسات الطاقة إلى أن استمرار اضطرابات الإمدادات يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
وتظل المملكة العربية السعودية لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة العالمي، باعتبارها من أكبر المنتجين والمصدرين للنفط، وتؤثر سياساتها الإنتاجية وتسعيرها الرسمي للخام على اتجاهات السوق.وخلال فترات انخفاض التوترات، تلجأ الدول المنتجة إلى تعديل أسعار البيع الرسمية للحفاظ على حصتها السوقية وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وهو ما ظهر في تحركات الأسواق بعد تراجع المخاطر الجيوسياسية.
أما شركات النفط العالمية الكبرى، سواء الأمريكية أو الخليجية أو الأوروبية، فإنها تراقب هذه الأزمات باعتبارها عوامل تؤثر على الأرباح والاستثمارات المستقبلية، حيث تحقق بعض الشركات مكاسب كبيرة عندما ترتفع الأسعار، بينما تتضرر قطاعات الاستهلاك والنقل والصناعة.
إدارة الصراع بعقلية اقتصادية، ويُعرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأسلوبه القائم على استخدام الأدوات الاقتصادية والتجارية في إدارة الملفات السياسية، ولذلك يرى بعض المحللين أن قراراته الخارجية لا تنفصل عن حسابات الاقتصاد والأسواق، فالتصعيد العسكري قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يخلق فرصاً اقتصادية لبعض المنتجين والمستثمرين، بينما تؤدي التهدئة إلى خفض الأسعار وتقليل الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي.
لكن الحديث عن استفادة شركات محددة مرتبطة بالرئيس الأمريكي من الحرب يحتاج إلى أدلة مالية موثقة، بينما يمكن القول إن السياسة الأمريكية في عهد ترامب اتسمت بدمج واضح بين الحسابات الأمنية والاقتصادية ومصالح السوق.
السيناريوهات القادمة
أمام العالم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول: استمرار التهدئة
يؤدي إلى انخفاض علاوة المخاطر.
استقرار أسعار النفط وربما تراجعها تدريجياً.
الثاني: عودة الضربات العسكرية
قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً، وتزيد مخاوف الأسواق من اضطراب الإمدادات.
الثالث: توسع الصراع إقليمياً
وهو السيناريو الأكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي.
قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
إن حرب إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل هي صراع تتداخل فيه السياسة بالنفط والاقتصاد وإدارة النفوذ العالمي. وفي عالم اليوم، قد تكون السيطرة على حركة الأسواق جزءاً من إدارة الحرب بقدر السيطرة على ميادين القتال.
الدكتور/ أنور أحمد قاسم