اخبار وتقارير

الأربعاء - 05 أغسطس 2026 - الساعة 08:00 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/متابعات

في محاولة لمعالجة أحد أكثر القطاعات تضرراً من سنوات الحرب، بدأت مبادرة تنموية دولية في محافظة أبين جنوب اليمن تقديم نموذج جديد لدعم الأمن الغذائي، يقوم على تطوير سلسلة القيمة الزراعية بأكملها، بدلاً من الاكتفاء بدعم المزارعين بصورة منفردة.

ويستهدف المشروع رفع الإنتاج الزراعي، وتقليل الخسائر، وتعزيز مصادر الدخل المستدامة للأسر الريفية، في وقت يواجه فيه اليمن تحديات متفاقمة في مجال الأمن الغذائي نتيجة النزاع وتراجع النشاط الاقتصادي.

وينفذ المشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، وبتمويل من البنك الدولي، بعد أن خلصت دراسات ميدانية إلى أن القطاع الزراعي يعاني سلسلة مترابطة من المشكلات، تبدأ بارتفاع أسعار الشتلات والأسمدة، مروراً بضعف أنظمة الري، وانتهاءً بارتفاع خسائر ما بعد الحصاد، الأمر الذي حد من إنتاجية المزارعين، وقلّص عوائدهم الاقتصادية.


وبدلاً من معالجة كل مشكلة بمعزل عن الأخرى، اعتمد المشروع نهجاً متكاملاً يربط مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، من توفير الشتلات والأسمدة العضوية، إلى تحديث وسائل الري، وإنتاج بدائل للمبيدات الكيميائية، وتحسين عمليات التخزين والتصنيع والتسويق، بما يعزز القيمة المضافة للمحاصيل، ويزيد قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق.

تطوير سلسلة الإنتاج
أثمر هذا النهج توسع عدد من المشروعات المحلية في محافظة أبين، حيث تمكن «مشتل بن مشهور» في دلتا أبين من زيادة إنتاج الشتلات المحلية الملائمة للظروف المناخية والتربة في المحافظة، وهو ما خفف اعتماد المزارعين على الشتلات المستوردة، وساعد في خفض تكاليف الإنتاج.

كما شهدت «جمعية الجول النسوية» نقلة في إنتاج الأسمدة العضوية بعد حصولها على معدات تعمل بالطاقة الشمسية، ما أدى إلى تسريع عمليات الإنتاج وزيادة الكميات المنتجة. وارتفع عدد عضوات الجمعية من 58 إلى 142 امرأة، لتتحول إلى مصدر دخل ثابت لعشرات الأسر الريفية، في تجربة تعكس دور المرأة في دعم الاقتصاد المحلي، وتحسين سبل المعيشة.


وفي الوقت نفسه، قدمت «مؤسسة البكري» تسهيلات للمزارعين للحصول على شبكات الري الحديثة، بما يشمل أنظمة الري بالتنقيط والأنابيب وشباك التظليل، إلى جانب توفير تسهيلات ائتمانية مكنت كثيراً من المزارعين من تحديث وسائل الإنتاج دون تحمل أعباء مالية كبيرة.

كما شجع المشروع عدداً من رواد الأعمال المحليين على إنتاج «زيت النيم» بوصفه مبيداً طبيعياً للآفات، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية، وتحسين جودة المحاصيل، والحفاظ على خصوبة التربة، بما ينسجم مع توجهات الزراعة المستدامة.

تقليل الفاقد ورفع القيمة
ولم تقتصر التدخلات على مرحلة الإنتاج، بل امتدت إلى مراحل ما بعد الحصاد، التي كانت تمثل أحد أكبر مصادر الخسائر للمزارعين، إذ بلغت نسبة الفاقد نحو 26 في المائة من الإنتاج.

وفي هذا السياق، عززت «وكالة بن فليس الزراعية» قدراتها في تنظيف وفرز وتخزين البذور، لترتفع طاقتها الإنتاجية من نحو نصف طن يومياً إلى قرابة عشرة أطنان، وهو ما أسهم في تقليل الفاقد وتحسين جودة المنتجات وربط المنتجين بالمشترين بصورة أكثر كفاءة.

كما رفع «معمل دلتا أبين للصناعات الغذائية» القيمة المضافة للمحاصيل من خلال تحسين عمليات التعبئة والتغليف، في حين ساعد تطوير خدمات النقل والتخزين، بما في ذلك إعادة تأهيل منشآت إنضاج الفواكه، على إيصال المنتجات إلى أسواق أبعد مع تقليل التلف والخسائر.

ولعبت الطاقة الشمسية دوراً مهماً في استدامة هذه الأنشطة، بعدما أصبحت توفر نحو 75 في المائة من احتياجات المنشآت المدعومة من الطاقة، الأمر الذي خفض استهلاك الوقود بنسبة تقارب 42 في المائة، وأسهم في تقليل تكاليف التشغيل وتحسين الجدوى الاقتصادية للمشروعات.

مؤشرات اقتصادية واجتماعية
أظهرت نتائج المشروع تحسناً واضحاً في أداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة المستفيدة، إذ ارتفع عدد الوظائف الرسمية فيها بنسبة 138 في المائة، من 47 إلى 112 وظيفة، من بينها 45 امرأة حصلن على فرص عمل لأول مرة، كما ارتفع عدد العاملين في المنشآت الأصغر من 11 إلى 39 عاملاً.


وسجلت المنشآت المدعومة زيادة في مبيعاتها السنوية بنسبة 48 في المائة، في حين ارتفعت أرباحها الصافية بنسبة 22.6 في المائة، وارتفع متوسط مبيعات المنشآت الأصغر من 21 ألف دولار إلى 36 ألف دولار سنوياً، بما يعكس تحسناً في الأداء الاقتصادي للمشروعات المدعومة.

ويرى القائمون على المشروع أن هذه النتائج تؤكد جدوى الاستثمار في تطوير سلسلة القيمة الزراعية بوصفها منظومة متكاملة، إذ انعكس ذلك في زيادة الإنتاج، وتحسين جودة المحاصيل، ورفع دخول المزارعين، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التحديات الاقتصادية والغذائية، بما يقدم نموذجاً قابلاً للتوسع في مناطق يمنية أخرى تعاني ظروفاً مشابهة.