الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان
يبدو أن مليشيا الحوثي كانت تراهن على تصعيد واسع باتجاه مأرب، لكنها اصطدمت، وفق المعطيات المتداولة، بواقع ميداني مختلف عما كانت تتوقعه؛ واقع أكثر جاهزية، وتكتيكات دفاعية أكثر قدرة على التعامل مع الهجمات، وتنسيق يمتد عبر أكثر من محور.
المشهد لم يعد محصورًا في جبهة واحدة.
من مأرب إلى شبوة، ومن الساحل الغربي إلى محاور القتال الأخرى، ظهرت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على أن القوات المناوئة للحوثيين أصبحت أكثر استعدادًا للتعامل مع أدوات الجماعة، خصوصًا الصواريخ والطائرات المسيّرة ومحاولات التسلل والاستهداف.
وفي مأرب، أفادت المعطيات المتداولة بأن القوات تمكنت من إحباط عدد من محاولات الاستهداف الحوثية، والتعامل مع نشاطات مرتبطة بعمليات الرصد والتجسس وقطع شبكات الاتصال المستخدمة في العمليات، بالتزامن مع التصدي لهجمات بالطائرات المسيّرة.
أما في الساحل الغربي، فقد أعلنت القوات الوطنية إحباط محاولة لاستهداف منشأة نفطية، في مؤشر آخر على اتساع دائرة المواجهة الأمنية والعسكرية وتعدد أهدافها.
وفي شبوة، جاءت عملية «الرد السريع» التي أعلنتها قوات دفاع شبوة لتضيف تطورًا جديدًا إلى المشهد، بعدما استهدفت مواقع للحوثيين في جبهة حريب، ردًا على هجوم بطائرة مسيّرة، وفق ما أعلنته القوات.
أما في محور الرزامات، فقد شهدت الجبهة مواجهات عنيفة وعمليات ميدانية أربكت حسابات الحوثيين، وأظهرت أن الجماعة ليست أمام خصم ينتظر تحركاتها، بل أمام قوات تراقب وتستعد وترد.
وهنا تكمن أهمية ما حدث.
فإذا كانت مليشيا الحوثي قد أرادت من التصعيد اختبار جاهزية خصومها أو استنزافهم أو فرض إيقاع جديد على الجبهات، فإن الردود التي ظهرت في أكثر من محور تحمل رسالة مختلفة: المعادلة ليست كما كانت.
الصاروخ والطائرة المسيّرة قد يسببان حالة استنفار، لكنهما لا يكفيان وحدهما لصناعة انتصار عسكري. فالحرب الحديثة تعتمد على منظومة متكاملة من الرصد، والمعلومات، والحماية، وسرعة الاستجابة، والقدرة على تعطيل أدوات الخصم.
ويبدو أن هذا تحديدًا هو الجانب الذي بدأت المليشيا تضعه في حساباتها.
فحين تتحرك في أكثر من محور، ثم تجد أن خصومها قادرون على امتصاص الضربة والرد في المكان والزمان المناسبين، فإن حسابات الهجوم تتغير، وتصبح كلفة المغامرة أعلى.
ولذلك، فإن الرسالة الأهم من التطورات الأخيرة ليست أن معركة حاسمة قد بدأت، وإنما أن أي محاولة حوثية لفرض معادلة جديدة ستواجه بواقع ميداني مختلف.
مأرب ليست جبهة معزولة، وشبوة ليست جبهة معزولة، والساحل الغربي ليس جبهة معزولة. إنها مساحات متعددة تتقاطع فيها القدرات والجاهزية والمعلومات، وهو ما يجعل أي حساب حوثي قائم على عنصر المفاجأة أكثر صعوبة.
المليشيا التي اعتادت أن تختار توقيت التصعيد وتراهن على عنصر المباغتة، تجد نفسها اليوم أمام خصم يستعد للاحتمالات قبل وقوعها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية للحوثي.
كل تصعيد يكشف جزءًا من قدراته، وكل محاولة استهداف تكشف أدواته، وكل تحرك ميداني يتيح لخصومه تطوير وسائل التعامل معه.
لذلك، فإن الأيام المقبلة قد تفرض على الجماعة إعادة حساباتها بدلًا من الاكتفاء بالخطابات والضجيج الإعلامي.
وإذا كانت المليشيا تراهن على أن الصواريخ والمسيرات قادرة وحدها على تغيير المشهد، فإن الميدان يبعث برسالة أخرى: القوة ليست في إطلاق السلاح فقط، بل في القدرة على معرفة أين يذهب، وكيف يُعطّل، وكيف يُواجه.
أما الحديث عن قرب نهاية الحوثيين، فهو في النهاية تقدير سياسي لا يمكن حسمه بمجرد جولة عسكرية واحدة. لكن المؤكد أن كل تصعيد فاشل في تحقيق أهدافه يرفع كلفة الحرب على الجماعة، ويمنح خصومها مزيدًا من الخبرة والاستعداد.
وعلى الحوثي أن يقرأ هذه الرسالة جيدًا:
المفاجأة لم تعد حكرًا عليه، والميدان لم يعد مفتوحًا أمامه كما يتصور.