عربية وعالمية

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 03:45 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/متابعات

مع تحول الطائرات المسيرة إلى أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة، يتسارع السباق العسكري الدولي لتطوير وسائل أكثر سرعة وأقل تكلفة لإسقاطها، وتتجه الولايات المتحدة ودول أخرى إلى تطوير أسلحة الطاقة الموجهة، وعلى رأسها الليزر، في محاولة لتغيير المعادلة التقليدية للدفاع الجوي، بينما يكشف مختصون مدى قدرة هذه التكنولوجيا على التصدي للمسيرات، والقيود التي لا تزال تحول دون الاعتماد عليها بشكل كامل.
استثمار أميركي
وفي أحدث خطوات هذا الاتجاه، يعتزم الجيش الأميركي تخصيص نحو 400 مليون دولار لتطوير قدرات ليزر عالية الطاقة مخصصة لمواجهة المسيرات، في إطار برنامج يسعى إلى تحويل أسلحة الطاقة الموجهة من مرحلة الاختبارات والتجارب إلى قدرات قابلة للاستخدام العملياتي.
ويأتي ذلك بالتزامن مع توسع الاختبارات الأميركية على منظومات الليزر المضادة للمسيرات، ففي مايو 2026، اختبر الجيش الأميركي منظومة (AMP-HEL)، وهي منظومة ليزر عالي الطاقة محمولة على مركبة تكتيكية، خلال تجربة ميدانية تضمنت الاشتباك مع طائرة مسيرة.
كما يعمل الجيش الأميركي على برنامج (Enduring High Energy Laser)، الذي يستهدف تطوير قدرة ليزرية قابلة للدمج في وحدات الدفاع الجوي، مع التركيز على توفير وسيلة متحركة ومنخفضة التكلفة نسبيًا لمواجهة الطائرات المسيّرة.
ويشير الجيش الأميركي إلى أن انتشار المسيرات الرخيصة دفعه إلى إعادة توجيه جزء من جهود أسلحة الطاقة الموجهة نحو الدفاع الجوي قصير المدى.
الليزر البريطاني
في وقت سابق، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية اختبار منظومة (DragonFire)، وأكدت أن تكلفة تشغيل الليزر تقل عن 13 دولارا للطلقة (10 جنيهات إسترلينية)، مقارنة بصواريخ دفاع جوي قد تصل تكلفة الواحد منها إلى مئات الآلاف من الجنيهات.
وأكدت بريطانيا نجاح (DragonFire) في إسقاط مسيّرات عالية السرعة خلال اختبارات، ووقعت عقدا بقيمة نحو 423 مليون دولار (316 مليون جنيه إسترليني) لإدخال المنظومة إلى الخدمة على سفن ومدمرات تابعة للبحرية الملكية اعتبارا من عام 2027، بحسب ما أعلنته الحكومة البريطانية.
وفي إسرائيل، تسلم الجيش الإسرائيلي في ديسمبر 2025 أول منظومة تشغيلية من (Iron Beam)، بعد سلسلة اختبارات شملت اعتراض طائرات مسيرة وصواريخ وقذائف هاون.
ويقول الجيش الإسرائيلي إن المنظومة ستعمل كطبقة إضافية ضمن شبكة الدفاع الجوي إلى جانب القبة الحديدية ومقلاع داود ومنظومة السهم.
وفي الصين، ظهرت كذلك نماذج أصغر وأكثر قابلية للحمل لمواجهة المسيرات، بينها منظومات ليزر بقدرة 2 كيلوواط طورتها شركات صينية، مع أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كيف يعمل سلاح الليزر؟
سلاح الليزر عالي الطاقة لا يطلق مقذوفا أو صاروخًا على الهدف، وإنما يوجه شعاعا مركزا من الطاقة إلى نقطة محددة في جسم المسيرة.
ويستمر الشعاع في التركيز على الهدف لفترة زمنية محددة، ما يؤدي إلى رفع حرارة جزء منه إلى مستوى يتسبب في إتلافه، مثل المحرك أو مكونات التحكم أو أجزاء أساسية من الهيكل، فتفقد المسيّرة قدرتها على الطيران وتسقط.
وتكمن إحدى أبرز مزايا هذه التكنولوجيا في السرعة، حيث ينتقل الشعاع بسرعة الضوء، كما أن المنظومة لا تحتاج إلى إطلاق ذخيرة تقليدية في كل عملية اعتراض، بل تحتاج بصورة أساسية إلى مصدر طاقة قادر على تشغيل الليزر.
سلاح يقلب المعادلة الاقتصادية
يقول الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد ناجي ملاعب، إن الاهتمام المتزايد بأسلحة الليزر يأتي في الأساس نتيجة التحول الكبير في طبيعة التهديد الذي تمثله المسيرات.
ويوضح ملاعب لـ"العربية. نت" و"الحدث"، أن الجيوش لم تعد تواجه طائرات مسيرة منفردة فقط، وإنما أعدادا كبيرة من الطائرات منخفضة التكلفة، مشيرا إلى أن التجارب أثبتت قدرة الليزر على التعامل مع المسيرات، خصوصا من ناحية الكلفة.
وتكلفة استخدام الشعاع يمكن أن تصل إلى بضعة دولارات أو بضعة جنيهات في بعض المنظومات، مقابل تكلفة صاروخ اعتراضي قد تصل إلى مئات الآلاف أو ملايين الدولارات، حسبما يشير ملاعب.
ويشير إلى أن "الولايات المتحدة طورت هذه التكنولوجيا على مدى عقود، لكنها اليوم لم تعد حكرا على دولة واحدة، فهناك برامج ومنظومات في بريطانيا وإسرائيل والصين وألمانيا ودول أخرى، وأصبحت أسلحة الليزر حاضرة في المعارض الدفاعية وفي خطط تطوير الدفاع الجوي".
لكن التطور الحالي يرتبط بزيادة قدرة مصادر الطاقة وتحسن أنظمة التوجيه والتبريد، ما جعل المنظومات أكثر قابلية للاستخدام العسكري، حسبما يضيف ملاعب.
سلاح فعال.. ولكن
رغم المزايا الكبيرة، لا يمثل الليزر بديلا كاملا للصواريخ أو المدافع أو الحرب الإلكترونية.
فالليزر يحتاج إلى خط رؤية مباشر مع الهدف، والشعاع يسير في خط مستقيم، كما تتأثر فعاليته بالمسافة وبالظروف الجوية، خصوصًا الغبار والرمال والدخان والضباب والرطوبة والأمطار.
وتحتاج المنظومة إلى إبقاء الشعاع مركزا على نقطة محددة في الهدف لفترة كافية لإحداث الضرر، وهو ما يصبح أكثر تعقيدا كلما كانت المسيرة أسرع أو أكثر قدرة على المناورة.
وتظهر مشكلة أخرى في التعامل مع أسراب المسيرات، حيث لا يستطيع الليزر التقليدي تدمير عدد كبير من الأهداف في اللحظة نفسها، ما يجعل الحاجة قائمة إلى رادارات وأنظمة استشعار ووسائل حرب إلكترونية ومدافع وصواريخ لاعتراض الأهداف التي تتجاوز قدرة الليزر أو تهاجم بأعداد كبيرة.
وتحتاج منظومات الليزر عالية الطاقة إلى كميات كبيرة من الكهرباء وإلى أنظمة تبريد، وهي تحديات تصبح أكثر أهمية في البيئات الحارة، بما فيها مناطق الشرق الأوسط.لكن ملاعب يرى أن هناك عوائق لا تزال تحد من قدرة الليزر على أن يصبح بديلًا كاملًا للصواريخ.
ولذلك، يقول ملاعب إن "أول هذه العوائق أن شعاع الليزر يسير في خط مستقيم، وبالتالي فإن المدى الفعال للسلاح يرتبط بقدرة المنظومة على الحفاظ على تركيز الشعاع، كما أن الظروف الجوية تؤثر بصورة مباشرة في كفاءته".
وهناك أيضا مشكلة المدى، فبعض المنظومات الليزرية لا توفر تغطية واسعة، ولذلك فإنها لا تستطيع حماية مساحة كبيرة بمفردها، وتحتاج إلى نشر عدد من الوحدات ضمن شبكة دفاعية متكاملة، وفق الخبير العسكري والاستراتيجي.
ويشدد ملاعب على أن بقاء الشعاع مركزا على الهدف يمثل تحديا آخر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمسيّرات سريعة أو شديدة المناورة، خصوصا إذا واجهت المنظومة أكثر من هدف في الوقت نفسه.
تحديات البيئة المحيطة
يحذر ملاعب من تأثير البيئة المحيطة في أداء السلاح، قائلا:" الرطوبة والمطر والضباب والرمال والغبار والدخان يمكن أن تؤثر في انتقال الشعاع وفي قدرته على الوصول إلى الهدف بالطاقة المطلوبة، وهذه مشكلة مهمة خصوصا في بيئات الشرق الأوسط".
ويضيف الخبير العسكري والاستراتيجي أن الحرارة المرتفعة تفرض تحديا إضافيا، لأن منظومات الليزر عالية الطاقة تحتاج إلى أنظمة تبريد قادرة على التخلص من الحرارة الناتجة عن تشغيلها.
سلاح داعم
ويرى ملاعب أن مستقبل الدفاع ضد المسيرات لن يعتمد على الليزر وحده، وإنما على منظومة متعددة الطبقات تجمع بين وسائل الكشف والرادارات والحرب الإلكترونية والمدافع والصواريخ وأسلحة الطاقة الموجهة.
وبذلك فإن الليزر لن يلغي الصاروخ، لكنه سيضيف طبقة جديدة إلى الدفاع الجوي، وقد يكون شديد الأهمية عندما يكون المطلوب مواجهة أعداد كبيرة من المسيّرات بتكلفة منخفضة وبسرعة عالية، حسبما يضيف الخبير العسكري والاستراتيجي.
ويبدو أن المسيرات الرخيصة فرضت على الجيوش البحث عن وسائل اعتراض لا تستنزف مخزون الصواريخ المكلفة، والليزر يمنح خيارا جديدا يمكن أن يجعل الدفاع ضد المسيّرات أكثر استدامة من الناحية الاقتصادية، إذا نجحت الجيوش في تجاوز مشكلات المدى والطقس والطاقة والتبريد والتعامل مع الأسراب.


ومع انتقال الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل ودول أخرى من مرحلة التجارب إلى إدخال منظومات الليزر في برامج التسليح، يبدو أن أسلحة الطاقة الموجهة تتحول تدريجيا من تكنولوجيا مستقبلية إلى إحدى طبقات الحروب الحديثة.