الوطن العدنية/علي الزامكي
حين يصبح بناء القدرة الوطنية أهم من حجم التمويل … فالمساعدات لا تبني الدول بمفردها وإنما تبنيها المؤسسات القادرة على تحويل الدعم المؤقت إلى قدرة وطنية دائمة.
على امتداد العقود الماضية حصلت دول كثيرة على منح ومساعدات وقروض وبرامج دعم فني بمليارات الدولارات وقد أسهمت هذه الموارد في تخفيف أزمات إنسانية وتمويل مشروعات تنموية، ودعم قطاعات حيوية.ومع ذلك، فإن النتائج جاءت متفاوتة بصورة لافتة فبينما استطاعت بعض الدول تحويل الدعم الخارجي إلى نقطة انطلاق للتنمية بقيت دول أخرى تدور في دائرة الاعتماد المستمر على المساعدات دون أن تحقق تحولًا مؤسسيًا حقيقيًا.
وهنا يبرز السؤال الجوهري - إذا كانت الموارد متوافرة فلماذا لا يتحقق الأثر نفسه؟ الإجابة لا ترتبط غالبًا بحجم التمويل بل بقدرة المؤسسات التي تدير هذا التمويل. فالمساعدة المالية ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة وما يحدد قيمتها الحقيقية هو قدرة المؤسسة على توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة وربطها بالأولويات التنموية وتحويلها إلى معرفة وقدرات وأنظمة وخدمات تستمر بعد انتهاء المشروع .
ومن هنا فإن القضية الأساسية ليست كيف نحصل على مزيد من المساعدات؟ بل كيف نجعل كل مساعدة فرصة لبناء قدرة وطنية جديدة؟ لقد ناقشت هذه السلسلة منذ بدايتها أن بناء الدولة يبدأ من المؤسسة وأن القدرات المؤسسية هي رأس المال غير المرئي وأن الحوكمة والقيادة والتحول الرقمي ليست موضوعات منفصلة بل عناصر متكاملة لبناء مؤسسة قادرة ويأتي هذا المقال ليضيف بعدًا جديدًاوهو الموارد الخارجية لا تحقق التنمية إلا إذا دخلت إلى مؤسسة تمتلك القدرة على إدارتها بكفاءة واستثمارها في بناء المستقبل .
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا التعامل مع المشروعات الممولة خارجيًا بوصفها غاية مستقلة تُقاس بنسب الإنفاق أو بعدد الأنشطة المنفذة غير أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما أُنفق بل بما بقي بعد انتهاء المشروع -هل أصبحت المؤسسة أكثر قدرة؟ -هل تحسنت إجراءاتها؟ -هل اكتسب العاملون فيها خبرات جديدة؟ وهل أصبحت أقل اعتمادًا على الدعم الخارجي؟
إن المشروع الذي ينتهي بانتهاء تمويله قد يكون نجح ماليًا لكنه لم يحقق التنمية المستدامة أما المشروع الذي يترك خلفه مؤسسة أكثر كفاءة ونظمًا أفضل وكفاءات وطنية أقوى فهو المشروع الذي يستمر أثره بعد إغلاق حساباته المالية .
ولهذا فإن المساعدات ينبغي أن تُصمم منذ البداية على أساس هدفين متلازمين: تحقيق نتائج مباشرة يحتاجها المجتمع اليوم وبناء قدرات مؤسسية تضمن استمرار هذه النتائج غدًا .
وهنا يكمن الفرق بين إدارة التمويل وإدارة التنمية فإدارة التمويل تهتم بكيفية إنفاق الموارد وفق الخطط الزمنية أما إدارة التنمية فتنظر إلى الأثر طويل الأجل وتسأل - ماذا سيبقى للمؤسسة بعد انتهاء الدعم؟ وهل أصبحت أكثر قدرة على الاعتماد على نفسها؟ ومن هذا المنطلق فإن الشراكة الحقيقية بين الدولة وشركاء التنمية لا تقوم على علاقة مانح ومستفيد بل على شراكة في بناء القدرة الوطنية فكل برنامج دعم ينبغي أن يسهم في نقل المعرفة وتطوير النظم وتمكين الكفاءات وتعزيز الحوكمة بحيث يصبح الأثر المؤسسي جزءًا أصيلًا من نجاح المشروع لا نتيجة جانبية له .
في بلادنا تمثل المساعدات الإنسانية والتنموية موردًا مهمًا في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد وقد أسهمت خلال السنوات الماضية في تخفيف معاناة الملايين ودعم الخدمات الأساسية والحفاظ على استمرارية عدد من المؤسسات والبرامج .
غير أن المرحلة المقبلة تفرض سؤالًا يتجاوز إدارة الاحتياج الآني إلى بناء المستقبل - كيف نجعل كل مشروع ممول فرصة لتعزيز قدرة المؤسسة الوطنية لا مجرد استجابة لاحتياج مؤقت؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تغييرًا في طريقة التفكير قبل أن تتطلب زيادة في حجم التمويل فنجاح المشروع لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأنشطة المنجزة أو بحجم الإنفاق بل بما يتركه من أثر مؤسسي دائم .
فعندما يُصمم أي مشروع تنموي يجب أن يكون بناء القدرات جزءًا أصيلًا من أهدافه لا نشاطًا جانبيًا يضاف في نهاية البرنامج وينبغي أن يتضمن تطوير الإجراءات وتأهيل الكوادر وتحسين نظم المعلومات وتعزيز آليات المتابعة والتقييم ونقل المعرفة إلى المؤسسات الوطنية حتى تصبح أكثر قدرة على إدارة البرامج المستقبلية بكفاءة واستقلالية.
وهذا التحول في التفكير ينقلنا من منطق إدارة المشروعات إلى منطق بناء المؤسسات ومن قياس النجاح بالإنفاق إلى قياسه بالاستدامة .
إن التنمية المستدامة لا تتحقق بجهد طرف واحد فالدولة مسؤولة عن تحديد الأولويات الوطنية وبناء البيئة المؤسسية القادرة على استيعاب الدعم وشركاء التنمية يسهمون بالتمويل والخبرة ونقل المعرفة بينما يشارك القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة التطوير والابتكار.
وعندما تتكامل هذه الأدوار تتحول الشراكة من علاقة تمويل إلى علاقة بناء ويصبح النجاح مشتركًا كما تصبح المسؤولية مشتركة أيضًا.
ولذلك فإن أحد أهم معايير نجاح أي شراكة تنموية هو مقدار ما تضيفه إلى قدرة المؤسسة الوطنية على الاستمرار بعد انتهاء التمويل فالمشروع الذي يحتاج إلى تمويل جديد ليستمر كل بضع سنوات لم يحقق غايته كاملة أما المشروع الذي يترك خلفه مؤسسة أقوى وأنظمة أفضل وكفاءات وطنية أكثر جاهزية فقد وضع لبنة حقيقية في مسار التنمية.
إن بناء الدولة لا يتحقق عندما تصبح المؤسسات أكثر اعتمادًا على المساعدات بل عندما تصبح أكثر قدرة على الاستفادة منها ثم الانطلاق اعتمادًا على إمكاناتها الذاتية.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في المساعدات لا يكون في زيادة حجم الإنفاق وإنما في زيادة حجم المعرفة التي تنتقل والمهارات التي تُبنى والأنظمة التي تُطوَّر والثقافة المؤسسية التي تترسخ.
وعندما تصبح كل منحة فرصة لتطوير نظام وكل مشروع فرصة لبناء قيادة وكل شراكة فرصة لنقل المعرفة تتحول المساعدات من استجابة مؤقتة إلى استثمار طويل الأجل في قدرة الدولة على إدارة مستقبلها.
ختاماً : لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تحقيق التنمية لم تكن بالضرورة الأكثر حصولًا على المساعدات بل كانت الأكثر قدرة على استثمارها في بناء مؤسساتها فالموارد قد تفتح الباب لكنها لا تضمن الوصول أما المؤسسة القادرة فهي التي تحول الموارد إلى إنجاز والإنجاز إلى تنمية والتنمية إلى قدرة وطنية مستدامة.
وفي بلادنا تمثل هذه الحقيقة فرصة قبل أن تكون تحديًا فكل مشروع تنموي وكل برنامج دعم وكل شراكة دولية يمكن أن تكون خطوة نحو بناء مؤسسة أكثر كفاءة إذا وُضعت القدرات المؤسسية في قلب عملية التخطيط والتنفيذ.
إن الهدف النهائي لا ينبغي أن يكون إدارة المساعدات بكفاءة فقط، بل بناء مؤسسات تقل حاجتها إليها مع مرور الوقت لأنها أصبحت أكثر قدرة على إدارة مواردها وصناعة قراراتها وقيادة تنميتها.
فالمساعدة الحقيقية ليست ما يُنفق اليوم بل ما يبقى أثره في قدرة المؤسسة غدًا.
رسالة المقال إلى صانع القرار /إذا أردنا أن تتحول المساعدات إلى قوة دافعة للتنمية المستدامة، فإن بناء القدرات المؤسسية يجب أن يكون معيارًا رئيسًا في تصميم وتنفيذ وتقييم جميع البرامج التنموية ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال ثلاث خطوات عملية:
1. ربط جميع المشروعات الممولة بخطط التنمية الوطنية وضمان أن تسهم في بناء القدرات المؤسسية إلى جانب تحقيق أهدافها القطاعية.
2. اعتماد مؤشرات لقياس الأثر المؤسسي للمشروعات مثل نقل المعرفة وتطوير النظم وتعزيز الكفاءات واستدامة النتائج.
3. تعزيز الشراكة مع الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الوطنية لضمان تراكم الخبرة وبقاء المعرفة داخل الدولة.
الفكرة الرئيسة للمقال / قيمة المساعدات لا تُقاس بحجم التمويل بل بقدرتها على بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالية.
التحدي الذي أمامنا / التركيز على تنفيذ المشروعات وإنفاق الموارد مع ضعف الاهتمام بالأثر المؤسسي طويل الأجل.
الإجراء المقترح / إدماج بناء القدرات المؤسسية في جميع مراحل ستصميم وتنفيذ وتقييم البرامج التنموية والشراكات الدولية.
الأثر المتوقع / مؤسسات وطنية أكثر قدرة على إدارة التنمية واستدامة نتائج المشروعات وتقليل الاعتماد طويل الأجل على الدعم الخارجي.
( بناء الدولة يبدأ من المؤسسة - سلسلة مقالات في القدرات المؤسسية والإصلاح والتنمية المستدامة – هي مشروع فكري يسعى إلى ترسيخ ثقافة بناء الدولة من خلال بناء المؤسسات )..