مقالات وآراء

السبت - 05 سبتمبر 2026 - الساعة 05:12 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص



في آخر الليل حين يهدأ كل شيء قد تجلس أم قرب باب بيتها وتضع هاتفها إلى جوارها..لا تنتظر خبر سياسي ولا تتابع خريطة عسكرية هي فقط تنتظر أن يرن الهاتف.

في الطرف الآخر ابنها.
قد يكون جندي في جبهة بعيدة، أو شاب يبحث عن عمل، أو مغترب يحاول أن يرسل ما يكفي لإعالة أسرته.

بالنسبة إليها لا توجد جغرافيا سياسية ولا محاور إقليمية.

هناك ابن واحد..وخوف واحد.

أن يأتي الاتصال الذي لا تريد أن يأتي.

هذه هي الحرب من داخل البيت اليمني شمالا وجنوبا
ليست في البيانات العسكرية، ولا في خرائط السيطرة، ولا في خطابات السياسيين.
الحرب ياسادة امرأة تنتظر وأب يخفي قلقه عن أطفاله وطفل يسأل لماذا لا يعود أبوه وشاب يكتشف أن عمره مضى وهو ينتظر نهاية لم تأتِ.
فخلال سنوات طويلة أصبح اليمن ساحة لصراع معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية.
تغيرت التحالفات.وتبدلت خرائط النفوذ.وتعددت الجبهات لكن حياة المواطن العادي ظلت تسير في الاتجاه المعاكس.

كلما اتسعت المعركة، ضاق عليه العالم.

فالمواطن لا يعرف كثيرا عن تفاصيل الصراع بين القوى الإقليمية، لكنه يعرف أن سعر الخبز ارتفع ولا خرائط النفود ولا يعرف حسابات الممرات البحرية لكنه يعرف أن ابنه لم يعد من الجبهة.
وهنا تحديدا تصبح المأساة أكبر من الحرب نفسها..ان يصبح المواطن آخر من يعرف، وأول من يدفع.
وليس من الإنصاف أن نقول إن الخارج وحده صنع المأساة اليمنية.
هذه حقيقة يجب الاعتراف بها قبل أن نطلب من الآخرين الاعتراف بها.
فالتدخلات الخارجية وجدت بيئة داخلية منقسمة ومؤسسات ضعفت
ومراكز قوى تعددت والقرار الوطني تشتت.والاقتصاد أصبح أكثر هشاشة.
وعندما تضعف الدولة يصبح التدخل الخارجي أسهل..وحين تتعدد مراكز القرار، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف.
المشكلة إذن ليست أن هناك قوى خارجية لها مصالح في اليمن فقط.
المشكلة أن اليمن لم يمتلك طوال هذه السنوات دولة قوية بما يكفي لتضع مصلحته فوق مصالح الآخرين.
وهذه مسؤولية يمنية قبل أن تكون مسؤولية أي طرف آخر
وفي الحروب الطويلة، لا يموت الناس مرة واحدة..هناك من يموت في الجبهة..وهناك من يبقى حيا لكنه يخسر عمله ومن يفقد منزله ومن يبيع ممتلكاته ومن يترك دراسته.ومن يغادر بلاده ومن يكبر أطفاله بعيدا عنه.
وهناك أم تفقد القدرة على تذكر شكل الحياة قبل الحرب..هذه الخسائر لا تظهر كلها في أعداد القتلى والجرحى.
بعض الخسائر لا يمكن وضعها في جدول والأخطر أن الإنسان اليمني بدأ يعتاد.على الظلام و الغلاء وانتظار الراتب و أصوات الانفجارات.و أخبار الموت.
اعتاد أن يرى وطنه ينقسم أمامه ثم يذهب إلى عمله في اليوم التالي كأن شيئا لم يحدث.
لكن الاعتياد لا يعني أن الألم اختفى يعني فقط أننا تعلمنا كيف نخفيه.
وهنا تخسر المجتمعات شيئأخطر من المال وتخسر إحساسها بأن الحياة الطبيعية حق..وهذا أحد أخطر آثار الحروب الطويلة.
أن تجعل الإنسان يطلب الحد الأدنى، ثم يشكر الله لأنه حصل عليه
وخلف كل رقم في تقارير الحرب قصة إنسان كان يريد شيئًا بسيطا جدا
أن يعيش..لم يكن يريد أن يصبح بطلا في حرب الآخرين ولا يريد أن يكون جزءا من معادلة إقليمية. ولا أن يظهر اسمه في بيان عسكري.
كان يريد وظيفة بيتا آمنا ومدرسة جيدة لأطفاله وراتبا يصل في موعده وكهرباء لا تنقطع وحياة لا يحتاج فيها كل صباح إلى أن يسأل: ماذا سيحدث اليوم؟!!
لهذا فإن الحديث عن إنهاء الحرب لا يجب أن يقتصر على إيقاف البنادق.
السلام الحقيقي يبدأ عندما يستعيد الإنسان حياته و يصبح راتبه منتظما ويفتح المستشفى أبوابه للمريض و يصبح القانون أقوى من السلاح وعندما يعرف المواطن أن الدولة موجودة لحمايته.لا أن يبحث هو عن جهة نافذة تحميه.
نحن لا نحتاج فقط إلى اتفاق يوقف القتال..نحتاج إلى اتفاق يعيد بناء الدولة..ولا نحتاج فقط إلى ترتيبات سياسية بين القوى..نحتاج إلى ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة.
فالدولة التي لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية ستظل فكرة ناقصة، مهما كثرت الأعلام والخطابات.
قد يختلف اليمنيون في السياسة ومن حقهم أن يختلفوا.وقد تختلف القوى السياسية حول شكل الدولة ومؤسساتها ومستقبل البلاد.
لكن هناك شيئا لا ينبغي أن يختلفوا عليه..أن الإنسان اليمني ليس حطبا لهذه النار ولا ورقة تفاوض ولا رقما في ميزان القوى ولا عبد في حرب لا يعرف متى تنتهي إنه صاحب هذا الوطن.
ومن أجله يجب أن تكون السياسة ومن أجله يجب أن تتوقف الحرب.
ومن أجله يجب أن تعود الدولة.
لا أحد يستطيع إنقاذ اليمن إذا لم ينقذ اليمنيون دولتهم
هذه ليست دعوة إلى العزلة عن العالم ولا تجاهل للمصالح الإقليمية والدولية.
فاليمن جزء من منطقة شديدة الحساسية وموقعه الجغرافي يجعل استقراره مهما للجميع..لكن المساعدة الخارجية يجب أن تكون طريقا لاستعادة الدولة لا بديلا عنها.
والدعم يجب أن يساعد اليمنيين على بناء مؤسساتهم لا أن يكرس الانقسام والعلاقات الإقليمية يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة لا على تحويل اليمن إلى ورقة ضغط.
فلا يمكن لدولة أن تستعيد سيادتها وهي تعتمد في كل تفاصيل حياتها على الخارج، ولا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله إذا ظل ينتظر من الآخرين أن يقرروا عنه.
كفى دما
لقد آن الأوان لأن نسأل السؤال الذي يخشاه كثيرون:.إلى متى يبقى المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؟!!
وإلى متى يصبح موت اليمني خبرا عابرا وإلى متى تكون مدننا ساحات اختبار وإلى متى يدفع أبناؤنا ثمن صراعات أكبر منهم وإلى متى نتعامل مع الوطن كغنيمة سياسية بدل أن نراه بيتا مشتركا..!!
اليمن لا يحتاج حربا جديدة.. يحتاج إلى دولة..ويحتاج مؤسسات. لا يحتاج مزيدا من مراكز النفوذ..يحتاج مركز قرار وطنيا واضحا.
ولا يحتاج أن يكون تابعا لهذا المحور أو ذاك.
يحتاج أن يكون اليمن أولا.
فالذين يدفعون ثمن الحرب ليسوا أصحاب المكاتب المكيفة، ولا الذين يملكون القدرة على مغادرة البلاد عند اشتعالها، ولا الذين يستطيعون حماية أسرهم بعيدًا عن مناطق الخطر.
الذين يدفعون الثمن هم البسطاء..هم الجندي الذي يقف في الجبهة والعامل الذي ينتظر راتبه والأب الذي يبحث عن علاج لطفله.
هم الأم التي تخاف من خبر يأتيها من الجبهة. و الطالب الذي ضاعت سنوات دراسته.والشاب الذي يحمل حقيبته بحثا عن مستقبل خارج وطنه.
هؤلاء هم اليمن.
ولهذا، فإن الدفاع عن اليمن اليوم لا يعني فقط الدفاع عن الأرض، بل الدفاع عن الإنسان اليمني من أن يتحول إلى قربان دائم لصراعات لا تنتهي.
لقد تعب هذا الشعب من الحرب، والفقر، و الانقسام، ومن انتظار الوعود.
ويريد شيئا بسيطا جدا..
أن يعيش في وطنه مواطنا.، لا حطبا لنار الحرب الإقليمية.