نشر الكاتب الصحفي محمد المسبحي مقال رأي بعنوان دولة الإنفوجرافيك، تناول فيه واقع الأداء الحكومي في المحافظات المحررة، موقفا عند الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يلمسه المواطن على أرض الواقع.
ويناقش المسبحي في مقاله حدود قدرة الحكومة على إحداث تغيير حقيقي في ظل تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي وتعدد مراكز القرار، معتبرا أن صعوبة البيئة التي تعمل فيها الحكومة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لإعفاء السلطة من المسؤولية.
كما ينتقد المقال ما يصفه بتحول بعض الخطاب الإعلامي من وسيلة لعرض الحقائق والإنجازات إلى أداة لتجميل الإخفاق، مؤكدًا أن معيار نجاح الحكومة لا ينبغي أن يكون عدد الاجتماعات والاتفاقيات والبيانات، وإنما ما يتحقق فعليًا في حياة المواطنين من تحسن في الخدمات وبناء المؤسسات وتعزيز سيادة القانون والمساءلة.
وفيما يلي نص المقال كاملا:
الرواية الأكثر شيوعا في المشهد السياسي تقول إن الحكومات تعمل وإن ما يراه الناس من اجتماعات وقرارات ومشاريع واتفاقيات ليس سوى جزء من عملية إصلاح أكبر تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها. وهذه الرواية ليست خاطئة بالكامل؛ فاليمن، وبالتحديد المحافظات المحررة، ليس دولة مستقرة تبدأ من نقطة الصفر، وإنما بلد أنهكته الحرب والانقسام وتعدد مراكز النفوذ، وتراكمت فيه الأزمات حتى أصبح إصلاح مؤسسة واحدة يحتاج أحيانا إلى مواجهة شبكة كاملة من المصالح.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التعقيد إلى مظلة دائمة لتبرير العجز، وحين يصبح الإعلان عن العمل أهم من العمل نفسه.
هنا تظهر دولة الإنفوجرافيك.
دولة تستطيع أن تخبرك بعدد الاجتماعات التي عُقدت، والاتفاقيات التي وُقعت، واللجان التي شُكلت، والمشاريع التي دُشنت، والزيارات التي نُفذت، لكنها تعجز عن تقديم المؤشر الأهم: ماذا تغير في حياة المواطن؟!!
وفي السياسة، لا يحتاج الفشل دائمًا إلى اعتراف. يكفي أحيانا أن يجد من يضع فوق وجهه طبقة من المكياج الإعلامي، فيبدو أمام الناس أكثر أناقة مما هو عليه في الحقيقة.
فالمكياج السياسي ليس مجرد بيانات محسنة أو صور رسمية. إنه منظومة كاملة لإعادة إنتاج المشهد نفسه مع تغيير ملامحه الخارجية فقط. تتبدل العناوين، وتتغير الشعارات، وتُطلق الوعود، وتُفتح أبواب المؤتمرات، وتتدفق البيانات، بينما تبقى الملفات التي تهم المواطن في مكانها: الكهرباء، الرواتب، المياه، الصحة، التعليم، الأمن، القضاء، فرص العمل، وقبل ذلك كله سؤال الدولة نفسها.
ولا يعيش المواطن داخل الإنفوجرافيك، وإنما يعيش داخل المدينة، ويدفع فاتورته من دخله، وينتظر الكهرباء، ويبحث عن العلاج، ويريد مدرسة جيدة لأطفاله، طريقا آمنا، وقانونا يحميه، ومؤسسة لا تتعامل معه باعتباره رقما في كشف أو صورة في تقرير إنجاز.
ولهذا فإن معيار الحكم على أي حكومة لا ينبغي أن يكون حجم إنتاجها الإعلامي، بل حجم التغيير الذي أحدثته على الأرض.
صحيح أن الحكومة في المحافظات التابعة للشرعية تعمل داخل بيئة شديدة التعقيد. هناك انقسام سياسي، وتعدد لمراكز القرار، وضغوط اقتصادية، وتدخلات إقليمية ودولية، ومؤسسات ضعفت بفعل الحرب، وشبكات مصالح تراكمت عبر سنوات. ومن الظلم أن يُطلب من رئيس حكومة أن يعالج كل هذه الاختلالات بقرار واحد.
لكن الاعتراف بصعوبة المهمة لا يعني منح السلطة شيكا مفتوحا للإعفاء من المسؤولية.
فالقيادة لا يظهر معدنها فقط بقدرتها على تفسير لماذا لم يحدث التغيير، وإنما بقدرتها على انتزاع مساحة للتغيير رغم كل العوائق.
وهنا تبدأ مسؤولية رئيس الحكومة.
فإذا كان رئيس الحكومة قد جاء إلى موقعه باعتباره مشروع تغيير، فعليه أن يقدم أكثر من خطاب عن التغيير. عليه أن يحدد أولويات واضحة، ويضع برنامجا قابلا للقياس، ويحدد المسؤوليات، ويعلن ما الذي تحقق وما الذي تعثر ولماذا، ومن المسؤول عن التعثر.
أما أن تتحول الحكومة إلى غرفة أخبار كبيرة، فهذا ليس إصلاحا.
يمكن لأي سلطة أن تنتج صورة جميلة عن نفسها. يمكنها أن تضع أرقاما في تصميم جذاب، وأن تجمع المسؤولين حول طاولة، وأن تنشر صور التوقيع، وتصيغ بيانا بلغة انتصارية. لكن الدولة لا تُبنى بهذه الطريقة.
وكلما زاد الفارق بين الخطاب والواقع، أصبحت الحاجة إلى الدعاية أكبر. وكلما عجزت السلطة عن تقديم نتائج ملموسة، ازدحمت منصاتها بالإنجازات الورقية.
فتصبح الصورة هي الإنجاز، والافتتاح هو المشروع، والاجتماع هو القرار، والقرار هو التنفيذ، والتصريح هو النتيجة.
وهكذا تتحول الدولة تدريجيًا إلى إنفوجرافيك كبير؛ ألوان جميلة، وأسهم صاعدة، وأرقام كثيرة، وشعارات براقة، بينما المواطن يبحث في حياته اليومية عن أثر واحد حقيقي لكل ذلك.
وهنا المشكلة ليست في الإعلام نفسه. الإعلام الحكومي مطلوب، ومن حق الحكومة أن تشرح ما تفعله وتدافع عن سياساتها وتعرض نتائجها. بل إن الشفافية تقتضي أن يعرف المواطن ماذا تفعل السلطة.
لكن الإعلام يصبح جزءًا من المشكلة عندما يتحول من وسيلة لإطلاع الناس إلى وسيلة لحجب الأسئلة الصعبة، ومن مرآة تعكس الواقع إلى مكياج يخفي عيوبه.
والإعلام الجيد لا يقول فقط إن المشروع بدأ، بل يخبر الناس أين وصل. لا يقول فقط إن الأموال رُصدت، بل أين ذهبت. لا يكتفي بتصوير المسؤول وهو يفتتح المشروع، بل يعود بعد أشهر ليرى: هل يعمل المشروع فعلا أم تحول إلى لوحة تذكارية..!!
هذه هي المسافة بين إعلام الدولة ودعاية الدولة.
والأمر نفسه ينطبق على الحكومة.
فلا أحد يطالبها بمعجزة، ولا يمكن اختزال كل أزمات اليمن في أداء حكومة واحدة. لكن المواطن من حقه أن يرى اتجاها واضحا. أن يشعر بأن شيئًا يتحرك إلى الأمام، ولو ببطء. أن يعرف أن هناك معايير للمحاسبة، وأن المسؤول الذي يفشل لا يختبئ خلف الظروف إلى الأبد.
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتوقف الحكومة عن قياس نفسها بعدد ما أنجزته على الورق، وتبدأ بقياس نفسها بما تغير في حياة الناس.
فكل إصلاح حقيقي سيصطدم حتمًا بمن استفاد من غياب الإصلاح. وكل محاولة لتوحيد القرار ستصطدم بمن بنى نفوذه على تعدده. وكل محاولة لإغلاق أبواب الهدر والفساد ستواجه مقاومة ممن اعتادوا أن تكون الدولة موردًا للمصالح لا مؤسسة لخدمة المجتمع.
ولهذا فإن التغيير الحقيقي ليس مجرد إصدار قرارات، بل القدرة على حماية القرارات من الذين يريدون تفريغها من مضمونها.
وهنا تحديدًا ستظهر قيمة أي قيادة سياسية.
ليس المطلوب أن تنتصر الحكومة في كل معركة، فهذا غير واقعي، وإنما أن يكون واضحًا أنها تخوض المعارك الصحيحة، وأنها تعرف أين تقف، ومن أجل ماذا تقاتل، وما الذي تريد بناءه.
ولا يحتاج اليمن حكومة تجيد صناعة الصورة بقدر ما يحتاج حكومة تجيد صناعة النتيجة.
ولا يحتاج المواطن إلى مزيد من الشعارات عن المستقبل، بقدر حاجته إلى دولة تعيد إليه شيئًا من حاضره.
لذلك فإن المرحلة الحالية يجب ألا تكون دورة جديدة من إعادة تدوير الخطاب السياسي. يجب أن تكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن البيانات إلى التنفيذ، ومن تبرير العجز إلى تحمل المسؤولية.
أما الحديث عن أن التغيير يحتاج وقتًا، فهو صحيح.
لكن الوقت لا يصبح حجة إلا إذا كان يسير معه العمل.
وإذا مر الوقت دون أن تتغير النتائج، فإن المشكلة لم تعد في أن الناس لم تفهم ما تفعله الحكومة، بل في أن الحكومة ربما أصبحت أفضل في شرح ما تفعله من قدرتها على فعله.
هذه هي اللحظة التي يجب أن تتوقف فيها دولة الإنفوجرافيك عن بيع الصورة للمواطن، وتبدأ في تقديم الدولة نفسها.
فالدولة ليست مؤتمرًا، ولا بيانًا، ولا تصميمًا، ولا صورة لمسؤول يرفع إبهامه أمام مشروع.
الدولة قانون، ومؤسسة، وخدمة، وعدالة، ومساءلة.
وإذا كان المطلوب فعلًا بناء دولة وطنية، فالمعيار بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه:
فلا تقيسوا نجاح الحكومة بما تقوله عن نفسها، وإنما بما يستطيع المواطن أن يلمسه في حياته.
هناك فقط ينتهي الإنفوجرافيك، ويبدأ الإصلاح.