الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - الساعة 12:08 ص بتوقيت اليمن ،،،
الوطن العدنية/كتب_علاء الحسني
في صالة مكتظة بالمواطنين, يقف رجل خمسيني يقلب جواز سفره الجديد بين يديه للمرة الأولى منذ سنوات, لم تكن تلك اللحظة مجرد استلام لوثيقة سفر, بل كانت استرداداً لقطعة مفقودة من كرامته في بلد مثقل بالعواصف. لفترة طويلة في العاصمة المؤقتة عدن, تحولت مصلحة الهجرة والجوازات إلى مسرح لجحيم إداري يومي, حيث استحالت وثيقة السفر من حق دستوري أصيل إلى امتياز شاق يقتنص بعد رحلة عذاب طويلة واستنزاف مهين, هذا المشهد الإنساني البسيط هو المعيار الحقيقي الذي قاس به اللواء الدكتور طارق بن عمير النسي حجم الكارثة ومقدار النجاح المطلوب, منذ أن كلفته القيادة السياسية بتسيير أعمال هذه المصلحة السيادية مطلع العام 2026
لم يهبط الرجل من السماء, ولم يأت لنسف ما بناه من سبقوه, بل جاء ليكمل مهمة قيادات سابقة كابدت ظروفاً استثنائية قاهرة, غير أن التحدي أمامه كان مركباً ومفخخاً بالتعقيدات...كيف يمكنك إعادة ضبط بوصلة مؤسسة أمنية تمثل خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية, دون أن تخنق مرونتها الخدمية؟ وكيف تصنع تلك المواءمة المستحيلة بين الصرامة المفروضة في التحقق من الهويات, وبين الانسيابية التي يتطلبها تسهيل مصالح الناس؟
في المحصلة, لا ينبت هذا الأداء المؤسسي والمنضبط من فراغ, فاللواء طارق النسي ليس سوى امتداد طبيعي للجينات القيادية لجغرافيا شبوة العظيمة, تلك المحافظة التي تمثل ,بيضة القبان, في المعادلة اليمنية والجنوبية, والتي طالما ضخت في شرايين الدولة رجالات من طراز رفيع مزجوا ببراعة بين ,عنفوان القبيلة, و,هيبة الدولة,. إنها شبوة التي أنجبت دهاة السياسة ورجال كل المراحل.
في منتصف العام الحالي 2026م, لم تكن الدفعة الجديدة المقدرة بـ 350 ألف دفتر جواز سفر مجرد شحنة تجارية وصلت إلى عدن, بل كانت نتاج تفكيك حقيقي لعقدة مزمنة, وثمرة مفاوضات ماراثونية قادها الرجل بصمت مع الشركة المصنعة لتأمين مخزون استراتيجي ينهي حقبة الندرة, ما حدث لم يكن مجرد إطفاء حريق مؤقت, بل "هندسة قرار" أعادت صياغة سلسلة التوريد بالكامل, وصولاً إلى إعلان فروع المصلحة تحقيق ما يشبه المعجزة الإدارية في واقعنا الراهن والمتمثلة في الوصول إلى "صفر معاملات متراكمة", لقد حول الرجل الأزمة الخانقة إلى فرصة لإعادة تشغيل النظام بكفاءة.
تحت هذا السطح المنجز, كان هناك مشروع "بناء مؤسسي" أعمق يجري بهدوء بعيداً عن فخاخ الألقاب وعدسات الإعلام الموجه, أدرك النسي أن أزمة الدفاتر لم تكن سوى قمة جبل الجليد, وأن هناك إدارات كاملة أصابها التكلس, هنا تدخلت العقلية الإدارية لإعادة ترتيب الروتين اليومي وتنظيم دورة العمل, ولعل الأثر الأبرز تجلى في الإدارة العامة للشؤون العربية والأجنبية, البوابة التي يطل منها العالم على اليمن, والتي ساهم اللواء طارق في المساعدة لنقلها من حالة الهشاشة لتصبح "صمام أمان" حقيقي, لقد أعاد الرجل هيكلة مهامها لتتولى تفعيل نظام التأشيرات الإلكترونية والإقامات, منتقلاً بها من مربع رد الفعل البطيء إلى مربع التخطيط والمواكبة.
هذا التوجه نحو الرقمنة وتبسيط الإجراءات لم يكن حنلة استعراضية, بل نجاح لفرض متطلبات الأمن القومي وراحة المواطن, فالتأشيرة الإلكترونية ونظام الدفع الحديث ليسا مجرد تحديث تقني, بل أدوات صارمة لتقليص التدخلات الورقية وتجفيف منابع الابتزاز والتزوير, إنها المعادلة التي أدارها النسي باحترافية رجل الدولة...الرقمنة كخدمة لتسهيل العبور, وكحارس لا ينام لحماية الهوية.
لا يقاس نجاح تجربة اللواء الدكتور طارق بن عمير النسي بحجم البيانات الرسمية المنمقة أو بعدد الدفاتر المطبوعة, المقياس الحقيقي والوحيد يتلخص في ذلك المواطن الذي يغادر صالة المصلحة حاملاً وثيقته بكرامة, ليدرك وهو يشق طريقه نحو الخارج أن دولته المنهكة لا تزال حية رغم ضعفها, وأن مؤسساتها قادرة على التعافي متى ما أسندت مقاليدها لرجال يمتلكون إرادة العمل, هذا الأداء المؤسسي الهادئ هو الوجه المشرق الذي يحتاجه المجتمع اليمني بشدة, ورسالة طمأنة بالغة الأثر في زمن يضج بالطارئين.
|