مقالات وآراء

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 10:27 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان

كانت تعز خلال ثلاثة أيام في قلب محاولة الحوثيين حسم المعركة، لكن ما لم تدركوه أن تعز ليست ساحة سهلة للحسم.

وهنا أطرح السؤال من واقع ما عايشته وما رأيته، وكوني من أكثر الأشخاص الذين تأثروا بأبناء تعز ووقفوا على طبيعة مجتمعها: هل أخطأ الحوثيون في اختيار تعز ساحة لهذه المعركة؟

نعم، أعتقد أن عليهم مراجعة ما سبق في التاريخ. أبناء تعز لهم خصوصية مختلفة في علاقتهم بمدينتهم، ومن يخطط لمعركة طويلة فيها عليه أن يقرأ المجتمع قبل أن يقرأ الخريطة.

وأنا أرى أن من خطط لكم لمهاجمة تعز ربما أراد استنزافكم وإغراقكم في مواجهة طويلة، خصوصًا بعد أن توسعت شهية الحوثيين عسكريًا عقب أحداث البحر الأحمر وباب المندب. وربما كان الهدف أن تدخلوا معركة تستنزف مشروعكم من الداخل بدل أن تحققوا الحسم الذي تتحدثون عنه.

أما الرواية التي تكررونها عن أنكم تريدون طرد الإماراتيين والسعوديين من تعز، فهي واحدة من الخطابات التي تستخدمونها لتبرير المعركة، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا تريدون من تعز، وماذا تريدون أن تفعلوا بها وبأبنائها؟

أبناء تعز يحبون مدينتهم حد التضحية، ومن يستهدفها سيجد أبناءها في مواجهته. وعلى الحوثيين أن يفهموا هذه الحقيقة جيدًا، وألا يصدقوا الأصوات التي يروّج لها بعض المحسوبين عليهم ممن يدّعون تمثيل تعز، بينما مواقفهم وأفعالهم تقول غير ذلك.

وحتى ما يقال عن بعض الشخصيات السياسية المحسوبة على تعز، ومنها سلطان السامعي، يبقى في النهاية جزءًا من الحسابات السياسية والصراعات داخل الجماعة، ولا يمكن اختزال موقف أبناء تعز جميعًا في موقف شخص أو مجموعة أشخاص.

وعليكم أن تراجعوا ما سبق في التاريخ؛ فأبناء تعز غير بقية المحافظات في دفاعهم عن مدينتهم، وهذه ليست مسألة عسكرية فقط، وإنما حالة اجتماعية وثقافية وسياسية متجذرة.

إلا إذا كان هدفكم الانتقام من تعز لأنها وقفت أمام مشروع أجدادكم، فذلك حديث آخر؛ لأنه يعني أن المعركة بالنسبة لكم ليست معركة عسكرية فقط، وإنما ثأر سياسي وتاريخي مع مدينة عرفت بمواقفها الوطنية.

أما أن تتوقعوا سلب تعز عنفوانها التاريخي وانفتها وكبرياءها، وهي المدينة التي خرجت منها أصوات سياسية وثقافية ووطنية مؤثرة، فأعتقد أنكم تخطئون في قراءة طبيعتها.

تعز فيها عسكريون وصانعو خطط، وسياسيون ودبلوماسيون، واقتصاديون، ومثقفون، وأكاديميون، وتربويون، وشعراء وإعلاميون. تعز ليست جبهة عسكرية فقط؛ تعز مجتمع كامل له أدواته وطاقاته وذاكرته.

وأنا أرى أن من خطط لكم لمهاجمة تعز ربما لم يكن يريد لكم إلا الاستنزاف، خصوصًا وأنكم لم ترضخوا لمسار السلام، بل فتحت لكم التطورات العسكرية شهية جديدة. وقد تكون هذه الانتفاشة نفسها بداية لمعركة طويلة تستنزفكم أكثر مما تحقق لكم من مكاسب.

أما أبناء تعز، فإذا حشدوا موقفهم ضد من يستهدف مدينتهم فلا يبالو حتى باطفالهم من أجلها "تعز "، فلا تلومن إلا أنفسكم؛ لأن تعز حين تتوحد للدفاع عن نفسها لا تتراجع بسهولة، ومن يفتح عليها مواجهة لا يستطيع أن يحدد نهايتها كما يريد بل كما يريدون هم أبناءها

تعز غير، وأنا أعرف ماذا أقول.

تعز تستطيع أن تستنفر مجتمعها عندما تشعر أن مدينتها مهددة. يتحول أبناؤها إلى خلية واحدة، كل شخص يعمل من موقعه لخدمة مدينته.

وتخيلوا أن طالبات وطلاب المدارس يحولون مصروفهم إلى احتياجات الجبهة. هذه تعز عندما تستنفر؛ مجتمع كامل يتحرك، وكل فئة تؤدي دورها وفق ما تستطيع كخلية النحل يعملون

وهذه ليست صورة وليدة اليوم؛ فتاريخ تعز الحديث ارتبط بمحطات وطنية وسياسية مؤثرة. ففي أربعينيات القرن الماضي كانت تعز حاضرة في نشاط حركة الأحرار، وشهدت لاحقًا محاولة 1955 ضد الإمام أحمد، وهي أحداث تعكس حضور المدينة في الحراك السياسي اليمني قبل ثورة 26 سبتمبر.

وبعد قيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962، صدرت صحيفة «الثورة» من تعز في 28 سبتمبر، لتكون من الأصوات الإعلامية المبكرة للثورة، وهو ما يعكس الدور الذي لعبته المدينة في المجال السياسي والإعلامي في تلك المرحلة.

ولم يتوقف حضور تعز عند حدود ثورة سبتمبر؛ فبحسب المركز الوطني للمعلومات، اتخذت الجبهة القومية من مدينة تعز مقرًا لها في مرحلة الإعداد لثورة 14 أكتوبر، وانطلقت من المدينة تحركات مرتبطة بالمحاور المؤدية إلى مناطق الجنوب. كما وثقت مصادر تاريخية رسمية ارتباط تعز بالثوار والفدائيين الذين توجهوا منها إلى ردفان والضالع والصبيحة وعدن.

وهنا تحديدًا يجب قراءة تعز في سياقها التاريخي؛ فهذه المدينة لم تكن في مراحل كثيرة من تاريخ اليمن مجرد مساحة جغرافية، وإنما كانت ساحة للسياسة والفكر والصحافة والحركة الوطنية.

ولهذا فإن التعامل معها بمنطق الحسم السريع قد يتجاهل طبيعة مجتمعها وتاريخها وتنوعها.

راجعوا حساباتكم جيدًا، فقد تكون تعز نقطة تحول في المعادلة، وتفتح الطريق أمام تحولات أكبر في المشهد اليمني.

تعز ليست طقطقة كما قد يتصور البعض. تعز مدينة عنيدة في الدفاع عن هويتها ومجتمعها، وأبناؤها مرتبطون بها ارتباطًا عميقًا.

حتى القرى التي قد تصلون إليها لن تكون بالضرورة بيئة سهلة بالنسبة لكم؛ لأن طبيعة المجتمع في تعز مختلفة، في الثقافة واللهجات والتعليم والعلاقات الاجتماعية، وفي قدرة الناس على التواصل والتكاتف عندما يشعرون أن مدينتهم مهددة.

ولذلك تعز مختلفة في حساباتها. تعز حاضرة في سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، وهي جزء أساسي من تاريخ الوحدة والحركة الوطنية، ومورد مستمر للثقافة والعلم والأدب والسياسة.

وأنا أمدح تعز لأنني أراها عظيمة بعظمة رجالها ونسائها، وبما قدمته من شخصيات في مختلف المحافل. كبارها متواضعون، وفيها كفاءات وطاقات صنعت حضورًا يتجاوز حدود المحافظة.

تعز التي أنجبت شعراء ومثقفين وإعلاميين وسياسيين ومناضلين، والتي ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في تاريخ اليمن، لا يمكن اختزالها في جبهة عسكرية أو طريق جغرافي. تاريخها السياسي والثقافي والإعلامي يجعل أي قراءة لمستقبلها بحاجة إلى فهم مجتمعها قبل حسابات الميدان.

والدرس الذي يقوله التاريخ هنا ليس أن مدينة بعينها لا تُهزم أو أن نتيجة أي معركة محسومة سلفًا، وإنما أن المدن ذات الكثافة السكانية والحضور الثقافي والتاريخ السياسي العميق لا تُقرأ فقط من خلال الخرائط العسكرية. وتعز واحدة من أبرز الأمثلة اليمنية على ذلك.

لذلك، إذا كانت هناك حسابات بُنيت على أن الضغط العسكري خلال أيام قليلة سيؤدي تلقائيًا إلى حسم تعز، فإن التاريخ اليمني نفسه يقدم أسبابًا تدعو إلى الحذر في قراءة المشهد، لأن تعز عرفت على مدى عقود كيف تتحول من مدينة إلى مركز سياسي وثقافي وإعلامي عندما تدخل في لحظة وطنية مفصلية.

تعز ليست سهلة الحسم يا حوثيين، وهذه ليست طقطقة؛ إنها مدينة لها تاريخ، ولها مجتمع، ولها ذاكرة، ولها حضور في محطات كبرى من تاريخ اليمن الحديث.

والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا هو: هل أخطأ الحوثيون فعلًا في اختيار تعز ساحة لمعركة أرادوا لها أن تكون قصيرة، بينما قد تتحول إلى مواجهة أطول وأكثر استنزافًا مما توقعوا؟