مقالات وآراء

الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 08:12 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بيوم المعلم، تقديراً لدوره في بناء الأجيال وصناعة المستقبل، تواصل جماعة الحوثي الإرهابية حربها العبثية على اليمنيين، وعلى التعليم، وعلى المعلم الذي ظل لعقود أحد أهم أعمدة بناء الدولة والمجتمع.
يأتي يوم المعلم هذا العام واليمنيون يتذكرون أن التعليم لم يكن يوماً ترفاً في هذا البلد، بل كان ثمرة نضال طويل خاضه الآباء والأجداد، حتى أصبحت المدارس تملأ المدن والقرى، ووصل التعليم إلى معظم مناطق اليمن، وأصبح في كل منزل تقريباً طالب يحمل كتاباً، ومعلم يقف أمام السبورة ليصنع جيلاً جديداً.
وفي قلب هذه المعركة تقف تعز، المحافظة التي ارتبط اسمها بالعلم والتعليم والثقافة، والتي لم يقتصر دورها التعليمي على أبنائها، بل أسهم معلموها ومثقفوها في نشر التعليم في مختلف المحافظات اليمنية.
ولهذا فإن الحرب التي تتعرض لها تعز ليست حرباً على الجغرافيا وحدها؛ إنها تمس مجتمعاً عُرف بالمدرسة والكتاب والمعلم، وتضع مستقبل أجيال كاملة أمام الخطر.
ففي الوقت الذي يخوض فيه اليمنيون معركة الحفاظ على التعليم، يقبع خلف السجون مئات المعلمين في مناطق سيطرة الحوثيين، وفق تقارير حقوقية وإفادات متداولة، دون أن يكون ذنب كثير منهم سوى المطالبة بحقوقهم ورواتبهم.
ومن بين هؤلاء الأستاذ حمود علي نور، مدرس مادة الفيزياء في مديرية كعيدنة بمحافظة حجة، وهو من أقاربي، والذي تقول أسرته إنه سُجن يوم الخميس 16 أبريل/نيسان 2026، أو فجر الجمعة 17 أبريل/نيسان، بعد مطالبته براتبه.
معلم الفيزياء الذي كان يفترض أن يقف أمام طلابه يشرح قوانين العلم، أصبح خلف القضبان لأنه طالب بحقه في راتبه.
أي مفارقة أقسى من هذه؟
معلمون بلا رواتب، ومدارس تواجه ظروفاً صعبة، وطلاب يدفعون ثمن الحرب، بينما تستمر جماعة الحوثي في خوض الحروب وتوجيه الموارد نحو الصراع، في وقت يحتاج فيه اليمنيون إلى مدرسة آمنة، ومعلم يعيش بكرامة، وطفل يجد كتابه ومقعده الدراسي.
إن قضية المعلم اليمني ليست قضية راتب فقط، وليست قضية موظف ينتظر مستحقاته؛ إنها قضية مستقبل وطن كامل.
فالمعلم هو الذي يعلّم الطفل القراءة والكتابة، ويزرع فيه المعرفة، ويفتح أمامه الطريق ليصبح طبيباً أو مهندساً أو صحفياً أو قاضياً أو معلماً. وعندما يُهان المعلم أو يُحرم من راتبه أو يُسجن بسبب مطالبته بحقه، فإن الضرر لا يتوقف عند شخصه، بل يصل إلى الطالب والأسرة والمجتمع.
وتعز تدرك هذه الحقيقة أكثر من غيرها.
هذه المحافظة التي صدّرت التعليم إلى بقية المحافظات، وخرج من مدارسها وجامعاتها آلاف المعلمين والمثقفين والمتخصصين، تتعرض اليوم لحرب قاسية تركت آثارها على الإنسان والمدرسة والجامعة والأسرة.
ومع ذلك، بقيت تعز متمسكة بالعلم، كما تمسكت بتاريخها، وكما تمسك أبناؤها دائماً بفكرة أن المستقبل لا يُبنى بالجهل.
إن ما يحدث في اليمن اليوم يضعنا أمام سؤال أكبر من الحرب نفسها: ماذا سيبقى لليمن إذا خسر مدرسته ومعلمه؟
قد تُرمم مدرسة بعد سنوات، وقد يُعاد بناء جدار هدمته الحرب، لكن إعادة بناء الإنسان الذي فقد سنوات من التعليم أصعب بكثير.
ولهذا فإن حماية التعليم ليست ترفاً، وحماية المعلم ليست مطلباً نقابياً فقط؛ إنها حماية لمستقبل اليمن.
في يوم المعلم، نتذكر أن ستين عاماً من بناء مهنة التعليم والارتقاء بمكانة المعلم ورسم مستقبل الأجيال لا ينبغي أن تضيع بسبب الحرب.
نقف مع المعلم اليمني لأنه وقف طويلاً مع اليمن.
ونقف مع مدرسة تعز لأنها كانت دائماً منارة علم لأبناء اليمن.
ونقف مع كل طفل يمني يريد أن يذهب إلى مدرسته بدلاً من أن يرث الحرب.
فالذين يريدون لليمن أن يستعيد عافيته عليهم أن يدركوا أن الطريق يبدأ من المدرسة، وأن مستقبل البلاد يبدأ من يد المعلم.
في يوم المعلم، لا نحتفل فقط بمن علّمنا الحروف والمعرفة؛ بل ندافع عن حقه في الحياة الكريمة، وعن حق أطفال اليمن في التعليم، وعن حق اليمن نفسه في أن يكون له مستقبل.
أحمد حوذان
صحفي يمني