الوطن العدنية/أحمد محمود السلامي
▪️إن الحديث عن القامة التربوية والعلمية الدكتورة مايسة محمود عشيش يقتضي التحلي بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، والاحتكام إلى الحقيقة والإنصاف بعيداً عن الأهواء والمكايدات السياسية. فنحن أمام امرأة من نساء عدن الفاضلات، اللواتي نفخر بهن لما يمتلكن من علم وأدب وأخلاق ورقي في التعامل، فضلاً عن تجربة مهنية طويلة في ميدان التربية والتعليم.
بدأت الدكتورة مايسة مسيرتها معلمةً، ثم تدرجت في مواقع العمل والقيادة التربوية، حتى نالت ثقة قيادة المحافظة بتكليفها مديراً عاماً لمكتب التربية والتعليم في عدن، في مرحلة استثنائية شديدة الصعوبة، عانت خلالها المدارس من الإضرابات وتعطل الدراسة لفترات طويلة، وسط تجاذبات ومماحكات سياسية ألقت بظلالها الثقيلة على مستقبل الطلاب وحقهم في التعليم.
لم يكن المنصب، بحسب ما نعرفه عن مسيرتها، غايةً سعت إليها، بل مسؤوليةً قبلتها وأدتها بوعي وإدراك، واضعةً خبرتها في خدمة العملية التعليمية. وقد وجدت إلى جانبها كثيراً من أبناء عدن المخلصين الذين يتطلعون إلى إصلاح الاختلالات، ومعالجة أوجه القصور، ومواجهة الفساد، وإعادة الاعتبار إلى المدرسة والمعلم والطالب.
لكن المؤسف أن بعض الأصوات اختارت مهاجمة الدكتورة مايسة والنيل من مكانتها، بل تجاوزت حدود النقد الوظيفي إلى التشكيك في انتمائها الجنوبي، ووصفها بلفظ «مستوطنة»؛ وهي إساءة لا تليق بالحوار العام، ولا يجوز أن تكون وسيلة لتصفية الحسابات أو الانتقاص من كرامة إنسانة بسبب موقعها أو مواقف يُختلف حولها.
والأشد غرابةً أن مطلقي هذه الأوصاف يتجاهلون تاريخ أسرة عشيش ومكانتها الوطنية؛ فوالدها، محمود عبدالله عشيش، كان من القيادات النقابية والسياسية البارزة في مرحلة الكفاح الوطني ضد الاستعمار البريطاني، وتولى بعد الاستقلال مناصب حكومية رفيعة، من بينها: وزير المالية، ونائب رئيس الوزراء، ووزير التخطيط والاقتصاد، ووزير النقل والمواصلات، إضافةً إلى مسؤوليات في الحكومة ومهام دبلوماسية كسفير في ألمانيا الديمقراطية وعدة دول في أوروبا الشرقية. وقد نشأ أبناؤه وبناته، بحسب ما عُرف عن الأسرة، على قيم النزاهة والاحترام والصدق والاعتماد على النفس.
وتورد الكاتبة سعاد العلس، في كتابها «نساء عدن: تنوير وتحرير» (ص 229)، شهادةً عن دور والدة مايسة في مساندة زوجها خلال مرحلة النضال الوطني؛ إذ تشير إلى مساعدتها له في نقل الأسلحة والمنشورات من منزل الأسرة في بلوك 37 بالمنصورة إلى بيوت آمنة للمناضلين، في ظروف كانت تتطلب شجاعةً وتضحيةً وإيماناً بقضية تحرير واستقلال الجنوب.
إن استحضار هذا التاريخ ليس دعوةً إلى منح أحد حصانةً من النقد؛ فالمسؤول العام يُقيَّم بأدائه، وتظل قراراته خاضعةً للمساءلة والتقويم. لكنه تذكير بأن الاختلاف لا يبرر إهانة الناس، أو مصادرة تاريخ أسرهم، أو التشكيك في انتمائهم الوطني.
أما ما يُثار بشأن رفع علم الجنوب أو إذاعة نشيده الوطني في مدارس عدن، فإن كان هناك اعتراض على إجراء أو قرار من السلطات العليا، فالأجدر تقديم الوقائع والأدلة ومناقشتها بمسؤولية، بدلاً من تحويلها بالباطل إلى ذريعة للتشهير والتجريح. ولا يصح تحميل الدكتورة مايسة مسؤولية أفعال لم تقم بها بغرض الإساءة والنيل من مكانتها.
إن عدن التي أنجبت المناضلين والمثقفين والمربين لا تستحق أن يتحول الاختلاف فيها إلى حملات تشهير، ولا أن يصبح الانتماء الوطني مادةً للمزايدة والتخوين. فمن حق الناس أن ينتقدوا المسؤولين، ومن واجب المسؤولين أن يتقبلوا النقد، لكن ليس من حق أحد (مهما كانت حجته) أن يهدر كرامة الآخرين أو يطعن في جذورهم الوطنية جزافاً.
كفّوا عن إيذاء أصحاب الكفاءة والإخلاص، واتركوا للأداء أن يتحدث عن نفسه، وللحقائق أن تفصل في الخلافات. فالأوطان لا تُبنى بالإساءة إلى أبنائها وبناتها، ولا ترتفع مكانتها بإقصاء المخلصين، بل بالإنصاف والعمل الجاد واحترام الإنسان.