الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان
إذا كانت الحكومة اليمنية الشرعية تحظى بالاعتراف الدولي، فللماذا لا تتحول جرائم الحوثيين وعمليات التحريض العلني على القتل إلى ملفات قضائية فاعلة، تلاحق مرتكبيها والمحرضين عليها، أينما كانوا، وفق القانون؟
لماذا لا تُعلن النيابة العامة والمحاكم المختصة في عدن للرأي العام ما آلت إليه ملفات محاكمة القيادات الحوثية العسكرية، وما مصير القضايا التي سبق تحريكها بحق قيادات في المليشيا؟ فقد وثقت تقارير أممية وجود إجراءات قضائية سابقة في عدن ضد قيادات حوثية، بينها القضية رقم 167 لعام 2018 والقضية رقم 67 لعام 2020.
إن التحريض على استهداف المدنيين وتبرير قتلهم، لا سيما بعد كل عملية قصف أو اقتحام للبيوت وترهيب للآمنين في تعز وسائر المدن، والتشجيع المستمر من قِبل شبكات التحريض الإقليمية، بما في ذلك الأبواق الإعلامية والناشطون في لبنان والعراق، متى ثبتت أركانه وأدلته، لا ينبغي أن يبقى مجرد مادة للتراشق الإعلامي، بل يجب أن يخضع للتحقيق القانوني، سواء صدر عن قيادات ميدانية أو مسؤولين أو ناشطين وإعلاميين داخل اليمن أو خارجه، ممن تنشط مواقفهم لدعم المليشيا من هناك.
وعلى الجهات المختصة توثيق التصريحات والمنشورات والتسجيلات العلنية، والتحقق من هوية أصحابها وسياقها، وتحديد ما إذا كانت تشكل تحريضًا جنائيًا أو مساهمة في جرائم، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، بما فيها مذكرات التوقيف الدولية وطلبات التعاون القضائي عبر الإنتربول حيثما توافرت شروطها.
كما يجب فحص ما يُنشر من مواقف وتصريحات منسوبة إلى شخصيات حوثية تقيم في الخارج، ومن بينها الأسماء المتداولة إعلاميًا مثل محمد الفليت، وحسين العجري، وكذلك محمد عبدالسلام وغيره من قيادات المليشيا، والتحقق من الوقائع والأدلة القانونية بحقهم، والعمل على إخضاعهم للمساءلة القضائية وفق القانون لتجفيف منابع تحركهم ووضعهم تحت طائلة العدالة.
السؤال الموجه للحكومة، ووزارة العدل، والنائب العام، والنيابة العامة: أين خطة الملاحقة القضائية؟ وما مصير ملفات قيادات الحوثي العسكرية والمحرضين على العنف؟ ولماذا لا يُطلع الرأي العام على ما أُنجز وما تعثر وأسباب ذلك؟
الحوثي اليوم يقصف في شبوة، ويقتل في عدن، ويدمر في المكلا، ويدمر تعز تدمرًا ويعبث فيها؛ استهدافات في كل ربوع اليمن.
وأمام هذا المشهد، كيف يمكن أن تمر كل هذه الجرائم دون أن يلمس المواطنون تحركًا قضائيًا واضحًا، أو يروا فريقًا حقوقيًا حكوميًا يتولى رصد الانتهاكات وتوثيقها، وإعداد الملفات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، ومتابعة محاسبة المسؤولين عنها أمام القضاء الوطني والمجتمع الدولي؟
ما هذا الصمت والتخاذل؟ وما أسباب غياب التحرك الذي يوازي حجم الجرائم؟ هل تعود المشكلة إلى ضعف الإمكانات، أم تعثر الإجراءات، أم غياب التنسيق بين المؤسسات، أم أن حكومتنا تسير وفق أطر حزبية متناحرة حسب تشكيلها على المحاصصة، وهي كل هذا الخراب والقتل الحاصل من قبل جماعة تريد أن تفتك بالجميع؟ أم نقول إن الشرعية ملغمة بالسلالة الهاشمية؟ هذه أسئلة يطرحها اليمنيون، ومن حقهم أن يجدوا إجابات واضحة ومبنية على الوقائع، لا أن تظل ملفات الجرائم معلقة فيما تتواصل معاناة المواطنين.
الحكومة تمتلك أوراقًا قانونية وحقوقية ودبلوماسية كثيرة، لكن السؤال: لماذا لم تُفعّل هذه الأدوات بالقدر المطلوب؟ لماذا لا تُسخّر الإمكانات لتوثيق جرائم المليشيا، وملاحقة قياداتها التي تثبت مسؤوليتها، ومتابعة المحرضين على العنف، وتقديم الملفات إلى الجهات القضائية والدولية المختصة؟
اتركوا المصالح الضيقة، والصحبة، والمحسوبيات، والتنظيرات التي لا تنعكس على الواقع. اعملوا بالقانون، فالناس تموت، والمدنيون يدفعون ثمن الحرب، وليس مقبولًا أن تستمر الحسابات الحزبية والشخصية على حساب مسؤولية الدولة وحقوق الضحايا. كونوا على قدر المسؤولية التي أوكلت إليكم وإلا فالإفساح للشباب أفضل من بقاء الحزبية ومحاصصة الحكومة.
وبوصفها مسؤولية وطنية وأمانة تفرضها مهنة الكلمة، كصحفي يمني، من واجبي أن أتساءل عن دوركم خلال اثني عشر عامًا من الحرب: ماذا أنجزتم من ملفات قانونية بحق محمد عبدالسلام فليته ، والعجري، ، وكثير من قيادات المليشيا؟ ما القضايا التي جرى إعدادها؟ وما الذي وصل منها إلى القضاء؟ وما الإجراءات التي اتُخذت لملاحقة المسؤولين عن الجرائم والتحريض عليها داخل اليمن وخارجه؟ وإذا كانت هناك ملفات متعثرة، فمن المسؤول عن تعثرها، وما أسباب ذلك؟
اليمنيون يتساءلون عن دور الحكومة والجهات القضائية والحقوقية، وينتظرون عملًا يوازي حجم المسؤولية. أما استمرار الغموض وغياب المعلومات عن نتائج التحركات القانونية، فيزيد الإحباط ويضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويجعل أعمالكم غير مرقى لها كواجب مطلوب، ويترك الناس بين مطرقة الانتهاكات وسندان الوعود والبيانات التي لا يرون أثرها على أرض الواقع.
نحن في حرب، ولسنا في رخاء أو موسم انتخابات حتى تتقاسم الأحزاب الوزارات والسفارات والمناصب وفق المحاصصة. الأولوية اليوم لحماية المواطنين، وتفعيل القضاء، واستعادة مؤسسات الدولة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الجرائم، واختيار الكفاءات القادرة على الإنجاز بدلًا من إخضاع مؤسسات الدولة للمصالح والتوازنات السياسية.
كفى محاصصة على حساب الدم اليمني، وكفى صمتًا أمام الملفات التي تنتظر التحرك.
على الحكومة الشرعية، ومجلس القيادة الرئاسي، ووزارة العدل، والنائب العام، والنيابة العامة أن يتحملوا مسؤولياتهم، وأن يوضحوا للرأي العام ما أُنجز وما تعثر، وأن يفعّلوا الأدوات القانونية المتاحة لملاحقة المسؤولين عن الجرائم وفق الأدلة والإجراءات السليمة.
فالمسؤولية التي أُوكلت إليكم ليست امتيازات ومناصب، بل واجب تجاه شعب ينزف ووطن يواجه حربًا مفتوحة. وإذا لم تُفعّل مؤسسات الدولة في مثل هذه الظروف، فمتى ستُفعّل؟ وإذا لم تكن حماية الناس ومحاسبة مرتكبي الجرائم أولوية، فما الأولوية إذن؟
إن الاعتراف الدولي بالحكومة لا يكفي وحده؛ بل يجب أن يقترن بعمل مؤسسي وقانوني يحفظ حقوق الضحايا، ويضمن المحاكمة العادلة، ويمنع الإفلات من العقاب. فدماء المدنيين في شبوة، وعدن، والمكلا، وتعز، وكل شبر من اليمن ليست مادة للنسيان، والعدالة لا تتحقق بالبيانات وحدها، وإنما بالأدلة والتحقيقات والمحاكمات المستوفية للقانون؛ فواجب الصحافة أن تسأل، وواجب المسؤولين أن يجيبوا، وواجب القضاء أن ينظر في القضايا باستقلال وعدالة، أما دماء اليمنيين فلا يجوز أن تضيع بين المحاصصة الحزبية، والمحسوبية، والصمت، وتأجيل المسؤوليات.