مقالات وآراء

السبت - 31 أكتوبر 2026 - الساعة 08:03 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/فضل الكهالي

تساؤل يطرح نفسه بقوة، ويلخص التحليلات والقراءات التي تفرضها التحولات السياسية للمشهد اليمني؛ فالحقيقة التي تؤكدها الوقائع والمؤشرات الميدانية هي أن استعادة صنعاء قد تحصل أولاً. ليس لأن تحرير تعز مستحيل، بل لأن تعز يستحيل أن تسقط أصلاً لتُستعاد، فقد صمدت وقاتلت في أحلك الظروف وأقساها، حتى حين كانت محاصرة. فكيف تسقط اليوم بيد المليشيات وقد أصبحت مع مأرب رئتي النظام الجمهوري، ورمزاً للمقاومة الوطنية، وإلى جانبها حضرموت بوصفها العمق الاستراتيجي في الجنوب؟

لقد تحول سؤال - "أيهما سيحصل أولاً.. استعادة صنعاء أم تحرير تعز؟" - من همس في المجالس المغلقة إلى العنوان الأبرز في الوعي اليمني، الذي يتردد في كل مكان، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي. وهو لا يفرض نفسه باعتباره مفاضلة عسكرية تتعلق بالعدة والعتاد، بل باعتباره سؤالاً مركباً، سياسياً وتاريخياً ونفسياً وثقافياً في آن واحد.

فصنعاء سبق وسقطت عسكرياً وسياسياً بالفعل منذ أن اجتاحتها المليشيات، في سقوط أقرب إلى الاحتلال منه إلى الانقلاب السياسي. ولم تدخلها المليشيات كطرف سياسي يبحث عن شراكة أو نفوذ، ولكن كمشروع إمامي جديد، أعطى لنفسه حقاً إلهياً مقدساً في حكم الرقاب، وتعامل مع اليمنيين كرعايا لا كمواطنين. ومنذ تلك اللحظة السوداء، وأهل صنعاء واليمن يعانون الفقر والفاقة، تحت وطأة الجبايات التي لا تنتهي، والقمع الممنهج على يد أنصار الإمامة الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب اليمني بحاضره ومستقبله.

وهنا يتجلى التناقض الصارخ الذي تعيشه صنعاء، والذي يجعلها الأقرب للتحرر؛ فمن جهة، تقول الجغرافيا العسكرية، الخاضعة لمنطق القوة، إن أجزاء واسعة منها تحت سيطرة المليشيات، وإن شعاراتها تملأ الشوارع، ونقاط تفتيشها تنتشر في كل زقاق. ومن جهة أخرى، تقول الجغرافيا الاجتماعية - وهي الأبقى والأصدق - عكس ذلك تماماً، فالمدينة ترفض المليشيات التي تدين بالولاء لملالي طهران رفضاً قاطعاً، وتعتبرها جسماً غريباً ودخيلاً على نسيجها المدني والحضاري العريق.

فصمت سكان صنعاء، الذي يفسره البعض على أنه استسلام، ليس في حقيقته إلا احتقاناً داخلياً غير معلن، فرضته آلة الحرب، والأساليب القمعية الأمنية والمخابراتية التي زرعتها المليشيات في كل حي وزقاق. وجعلت المدينة تعيش اليوم انقساماً حاداً وخطيراً بين سلطة انقلابية مفروضة بقوة السلاح، ومجتمع يتشبث بهويته الجمهورية، وينتظر لحظة الانفجار الكبير. وهذا الانقسام البنيوي هو ما يجعل سيطرة المليشيات هشة ومؤقتة، وبيئة صنعاء مهيأة للتحرير في أي لحظة، مهما بلغ مدى تغول أجهزتها.

في المقابل، كانت تعز تقاوم وما زالت، وستبقى تقاوم؛ فهي المدينة التي استعصت على الخضوع للمد الصفوي وظلت تتنفس الموت على جرعات، وتعيش حصاراً مطبقاً من كل الجهات، والقصف الوحشي بمختلف أنواع الأسلحة، وسياسات التجويع الممنهج، وقطع الماء والدواء، وزرع القناصة على مداخلها لاستهداف الأطفال والنساء. والسبب في ذلك أن تعز أكبر من مجرد جغرافيا يمكن تطويقها واحتلالها، إنها فكرة راسخة متجذرة في الوجدان اليمني.

تعز اليوم تجسد فكرة الجمهورية والمدنية والحرية والكرامة الإنسانية، وتعكس فكرة أن الإنسان اليمني الحر لا يمكن أن يكون عبداً لسلالة تدعي الاصطفاء، ولا تابعاً للمشروع المليشاوي الذي يصدر أفكاره الهدامة إلى ما وراء الحدود. فحين تتحول المدينة إلى فكرة وإلى رمز، يصبح إسقاطها مستحيلاً، ويصبح تحريرها الكامل تحصيل حاصل لصمودها؛ فالحصار يمكن أن يفرض على المباني والأحياء والأسواق، لكنه لا يمكن أن يفرض على القيم والمبادئ.

فقد يطال القصف الحجر والبشر ويفسد أموراً كثيرة، لكنه لن يطال العزة والكرامة المتجذرة في النفوس، وتعز أعطت اليمنيين دروساً فيها، ومثل هذه الأمور مغروسة في أبنائها.

إن الفارق الجوهري بين حال المدينتين يكمن في البنية الداخلية وصلابة الموقف؛ ففي حين تعيش صنعاء حالة اغتراب شبه كامل بين المليشيات والمواطنين، تعيش تعز إجماعاً داخلياً صلباً لا يتزعزع، تؤازره جميع فئات الشعب ومكوناته، من مثقفين وعمال وطلاب وعوام. فالجميع متفقون وبلا استثناء على رفض المشروع العنصري جملة وتفصيلاً، وهذا الإجماع هو سر صمودها الأسطوري وضمانة تحريرها.

أما من الناحية العسكرية والسياسية، فإن المليشيات تستنزف نفسها ومواردها في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لها، لأنها دخلت محرقة تعز دون حساب للعواقب ودون قراءة للتاريخ. في الوقت الذي عجزت فيه عن الظهور بمظهر الدولة، وعجزت أكثر عن توفير أبسط الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء والمرتبات. وهذا الفشل المستمر فاقم من كراهية الناس لها، وحوّل كل بيت في صنعاء ومناطق سيطرتها الأخرى إلى بؤرة غضب صامت، وقنبلة موقوتة ستنفجر في أي وقت، معلنة التحرير.

على الضفة الأخرى تزداد المقاومة في تعز رسوخاً وصلابة كلما صمدت، لأنها تدافع عن حق أصيل في الحياة والحرية والوجود. كل يوم صمود يضيف إلى رصيدها الأخلاقي والوطني بعداً آخر، ويكشف زيف ادعاءات المليشيات وشعاراتها الجوفاء، ويثبت للعالم أن إرادة الشعب لا يمكن كسرها.

فقد ارتكبت المليشيات خطأ استراتيجياً قاتلاً حين أوهمت نفسها أن معركة الساحل وتعز هي مفتاح تأمين صنعاء وورقة تفاوضية مجانية يحصل عليها ملالي طهران، وصورت لأتباعها أن التقدم هناك سيؤجل معركة التحرير المصيرية. لكنها تجاهلت حقيقة واضحة، وهي أن هذا المسار الانتحاري لن يوقف قطار التحرير بقدر ما سيعجل به، وسيؤدي إلى حراك غير مسبوق لتحرير السواحل وقطع شريان التهريب والموارد الذي تتنفس منه المليشيات كخطوة أولى، ومن ثم تحرير باقي المدن والمحافظات الأخرى.

وبالعودة إلى صنعاء نجد أن المليشيات سعت إلى فرض هوية مناطقية مغلقة ومزيفة فيها وفي بقية المحافظات، هوية تقوم على تمجيد السلالة ونبذ المعارضين لها، والترويج لذلك عبر إعلامها الطائفي الذي يصور أبناء تعز ومأرب وجميع المعارضين لها كأعداء ومرتزقة. لكنها كانت وما زالت تصطدم بجدار صلب من الروابط الاجتماعية والتاريخية التي تربط صنعاء بتعز وعدن وحضرموت وبقية اليمن، وهي روابط عمرها آلاف السنين، فكيف لخطاب عمره بضع سنوات أن يمحوها؟

إن التاريخ اليمني يؤكد هذه الخلاصة بلا لبس؛ فكل المشاريع العنصرية والسلالية التي احتلت صنعاء وباقي اليمن عبر العصور سقطت في نهاية المطاف ولفظها الشعب. فكما سقطت الإمامة الكهنوتية في السادس والعشرين من سبتمبر، ستسقط المشاريع الضيقة التي تحاول اختطاف المدينة وتحويلها إلى ضيعة خاصة.

أما تعز فإنها كالبحر الذي يلفظ الجيفة، والتاريخ يقول عنها قولاً فصلاً؛ قد تحاصر وتدمر وتجوع وتتألم، لكنها لا يمكن أن تسقط بيد دُعاة الإمامة، لأنها تمثل امتداد اليمن العميق والعريق، اليمن الجمهوري الذي لا يقبل الضيم ولا يساوم على حريته والحراك الشعبي الذي يمتد تأثيره من جنوب اليمن إلى أقصى الشمال. وبناء على ذلك، فبإمكاننا الجزم بأن تحرير صنعاء القادم لن يكون إلا سقوطاً للمليشيات، كنتيجة حتمية للاحتقان المكتوم في صدر كل مواطن غيور.

ذلك لأن المليشيات، بطبيعتها، لا تملك مقومات البقاء كسلطة؛ لا مشروعاً وطنياً جامعاً، ولا رؤية اقتصادية، ولا قدرة على تقديم الخدمات. وكل ما تملكه لا يتعدى مشروع جباية وقمع ونهب منظم. وتعيش عزلة خانقة، بعيدة عن الشعب الذي تذله وتبتزه من جهة، وعن العالم الذي يراها جماعة عدوانية انقلابية خارجة عن القانون من جهات أخرى. وهذا ما يضاعف كلفة بقائها، المتمثلة في جيوش من المخبرين وعتاولة الإجرام لحراسة فسادها المحلي والإقليمي، ويفسر خطاب الكراهية المستمر لتبرير فشلها الذريع.

والخلاصة أن تعز ستبقى صامدة شامخة، تلتهم المليشيات كما تلتهم النار الهشيم، شاهدة على أن إرادة الشعوب لا تقهر، وأن خرائط العنف مؤقتة، وسوف تزول وتبقى الأوطان. وإذا كنا قد شهدنا السقوط الأخلاقي والقيمي للمليشيات منذ اليوم الأول لانقلابها المشؤوم، فلم يبق إلا أن نشهد سقوطها السياسي والعسكري الوشيك في اليمن، وهو آت لا محالة. فهذه هي سنة الكون والتاريخ وقانون الجغرافيا الثابت، لا المتغير الذي فشل بعض اللاعبين الكبار وغيرهم من الناقمين على الجزيرة العربية في تكييفه لصالح أهوائهم، ومصالحهم الضيقة.