مقالات وآراء

السبت - 07 نوفمبر 2026 - الساعة 06:42 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب/فؤاد المقرعي

حكاية نازح أبكته جدران بيته في باهر بتعز
قصة إنسانية مؤلمة تختصر مأساة التشريد والحرمان في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي.

أيُّ وجعٍ أشدّ من أن ترى منزلك أمام عينيك ولا تستطيع العودة إليه؟ وأيُّ قهرٍ أعظم من أن تصبح غريبًا عن أرضك، مطاردًا من قريتك، محرومًا من بيتك، بينما تنعم القرود بالأمان تحت سقف منزلك الذي بنيته بعرق جبينك؟!
إنها ليست حكاية من نسج الخيال، بل قصة إنسانية موجعة يرويها المواطن النازح ناجي قاسم، أحد أبناء منطقة باهر التابعة لمديرية ماوية بمحافظة تعز، الذي اضطر، بحسب روايته، إلى مغادرة منزله والنزوح إلى منطقة بلاد الأحمدي، بمركز تورصة، في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع، هربًا من الأوضاع التي فرضتها سيطرة جماعة الحوثي على منطقته.
ترك ناجي خلفه منزله وذكرياته وكل ما يملك، ولم يحمل معه سوى وجعه وحسرته وأملٍ بأن يعود يومًا إلى بيته.
مرت الأيام ثقيلة على قلبه، لكن الحنين إلى المنزل كان أقوى من كل شيء.
وفي أحد الصباحات، لم يعد قلب ناجي يحتمل ألم الفراق، فقرر أن يذهب ليرى منزله، ولو من بعيد، حتى وإن كانت العودة إليه محفوفة بالخوف والمخاطر.
تسلل الرجل بحذر حتى وصل إلى أحد الجبال المطلة على قريته في منطقة باهر، بماوية تعز وجلس فوق صخرة يحدّق بعينيه نحو منزله الذي حُرم من دخوله.
كانت عيناه تبحثان عن الباب الذي طالما فتحه لأهله وضيوفه، وعن النوافذ التي كان يطل منها على قريته، وعن الجدران التي احتضنت أجمل أيام حياته.
لكن المفاجأة كانت أقسى مما يحتمل قلب إنسان!
لقد شاهد مجموعة من القرود، التي يسميها أبناء المنطقة «الرُّبَح»، تتجول فوق منزله وتلعب وتعبث بداخله، وكأنها أصبحت أصحابه الدار
تجمّد ناجي في مكانه، وظل ينظر إلى المشهد غير مصدق ما تراه عيناه.
ثم رفع صوته مخاطبًا القرود، في حوار مؤلم لم يكن ينتظر منه جوابًا:

«يا قرود.. هنيئًا لكن منزلي!
أنتن اليوم تسكنّ بيتي آمنات، وأنا صاحبه الحقيقي مشرّد فوق الجبال!
بالأمس كنت أنا أسكن المنزل، وأنتن تتنقلن بين الجبال، واليوم انقلب الحال.. أصبحتن أنتن في بيتي، وأصبحت أنا أتخفّى في الجبال!
أنتن اليوم آمنات في منزلي، وأنا أخاف حتى من الاقتراب من باب بيتي!
فمن منّا أصبح القرد اليوم؟ أنا الذي أهرب بين الصخور والجبال، أم أنتن اللواتي تسكنّ منزلي دون خوف؟!»
وهنا لم يستطع ناجي أن يتمالك نفسه.
انهمرت الدموع من عينيه، وارتجف صوته، وظل ينظر إلى منزله نظرة مودّع لا يعرف متى سيعود.
لم تكن دموعه على الجدران وحدها، بل على عمرٍ قضاه في بناء ذلك المنزل، وعلى ذكريات عائلته، وعلى حياةٍ كانت بالأمس مليئة بالأمان، فأصبحت اليوم مجرد حلم بعيد.
يا لقسوة المليشيات الحوثي حين تجعل الإنسان غريبًا عن منزله، وتجعل الحيوان أكثر أمنًا من صاحب الأرض!
وبعد أن أخذ ناجي نظرته الأخيرة، عاد أدراجه إلى منطقة بلاد الأحمدي، حيث يقيم نازحًا في مركز تورصة.
عاد منكسر الخاطر، مثقلًا بالحزن، والدموع لا تزال تنهمر على خديه.
وعندما شاهده بعض أهالي بلاد الأحمدي على تلك الحال، سألوه:
«مالك يا ناجي؟ لماذا تبكي؟ ماذا حصل لك؟»
فأجابهم بصوت تختنق فيه العبرة:
«اليوم رحت أشوف بيتي في باهر، ولو من بعيد. طلعت فوق الجبل وجلست أنظر إليه، وشفت القرود قد سكنت منزلي، تلعب فيه وهي آمنة، وأنا صاحبه أتخفّى بين الجبال وأخاف أقترب منه!
تركت كل ما أملك بداخله، ولم أستطع أخذ شيء معي. واليوم شفت القرود تعيش في بيتي، وأنا أعيش مشرّدًا بعيدًا عن أرضي وأهلي.
والله ما بكيت على البيت وحده.. بكيت على نفسي، وعلى الأيام التي وصلنا إليها. بكيت لأن القرود أصبحت آمنة في منزلي، وأنا الإنسان أصبحت أخاف من العودة إلى بلادي!»
يا لها من كلمات تختصر مأساة النزوح
حين يصبح القرد صاحب المنزل، ويصبح الإنسان صاحب المنزل مشرّدًا، فاعلم أن مليشيات الحوثي لم تسلب الناس ممتلكاتهم فحسب، بل سلبتهم أبسط حقوقهم في الحياة والأمان والكرامة.
قصة ناجي ليست مجرد حكاية رجل بكى على منزله، بل صورة موجعة لمعاناة الأسر التي اضطرت إلى ترك قراها ومنازلها بحثًا عن الأمان.
كم من ناجي اليوم يعيش بعيدًا عن أرضه؟
وكم من أبٍ يتمنى أن ينام ليلة واحدة تحت سقف منزله؟
وكم من أمٍّ تبكي على بيت تركت فيه ذكرياتها؟
وكم من طفلٍ كبر في النزوح ولم يعرف من قريته سوى اسمها؟
يا من أشعلتم نيران الحرب باهر، ماذا بقي للمواطن بعد أن أصبح يخاف من دخول منزله، بينما تعيش القرود فيه مطمئنة؟!

سيبقى ذلك المشهد محفورًا في ذاكرة ناجي؛ يوم وقف فوق الجبل ينظر إلى منزله، ويخاطب القرود التي سكنته، بينما هو عاجز عن العودة إليه.
وستبقى كلماته صرخة في وجه مليشيات الحوثي
«يا قرود.. خذن راحَتكن في منزلي، أما أنا فسأعود إلى غربتي، حتى يأتي اليوم الذي أستطيع فيه العودة إلى بيتي دون خوف!»
سلامٌ على ناجي، وعلى كل نازحٍ يحمل مفتاح منزله في جيبه، ولا يستطيع الوصول إلى بابه.
وسلامٌ على كل بيتٍ ينتظر عودة أصحابه، وعلى كل قلبٍ أنهكه الحنين إلى أرضه