أخبار محلية

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 07:36 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص



نشر رئيس الوزراء اليمني السابق الدكتور أحمد عوض بن مبارك مقالاً سياسياً موسعاً في صحيفة الشرق الاوسط بعنوان «اليمن بين منطق الغلبة وغياب الدولة»، تناول فيه جذور الأزمة اليمنية ومساراتها، في قراءة تحليلية عميقة لما آلت إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد، بعد سنوات من الصراع وتراجع صوت السلاح نسبياً.
وقال بن مبارك إن الأسئلة التي تُطرح على اليمنيين في كل منعطف وطني، من قبيل: «أين تقف؟ وهل تؤيد ما جرى أم ترفضه؟» تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في جوهرها أسئلة إقصائية لا تهدف إلى الفهم بقدر ما تسعى إلى فرض الاصطفاف وإغلاق النقاش، مؤكداً أن الإجابة عنها لا تغيّر من الواقع شيئاً، بينما السؤال الحقيقي والأخطر هو: لماذا وصل اليمن إلى هذه المرحلة؟
وأوضح أن ما يشهده اليمن اليوم ليس انحرافاً مفاجئاً عن مسار سليم، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من المقدمات الخاطئة، في مقدمتها الفشل في بناء دولة جامعة، والعجز عن إدارة التنوع، وتغليب الأجندات الخارجية، وتكريس منطق الغلبة على حساب التوافق والعقد الوطني.
وأشار بن مبارك إلى أن التنوع لم يكن يوماً مشكلة في اليمن، بل كان دائماً مصدر غنى تاريخي واجتماعي، غير أن الخطأ تمثل في تحويله إلى عبء سياسي وأداة صراع، حين جرى تجميده داخل هوية قسرية بدلاً من إدارته ضمن إطار سياسي عادل، فتحولت الهوية من مساحة انتماء إلى سلاح فرز وإقصاء.
وأكد أن كل مراحل الاستقرار النسبي في تاريخ اليمن اقترنت بتوسيع الشراكة وتخفيف منطق الغلبة، بينما جاءت لحظات الانهيار نتيجة ادعاء الحق المطلق واحتكار التمثيل وفرض الأمر الواقع بالقوة، واصفاً ذلك بأنه نمط متكرر لا يمكن تجاهله.
وتطرق المقال إلى الفساد، معتبراً إياه نمط حكم متجذراً لا مجرد انحراف عابر، حيث جرى توظيف القضايا الوطنية الكبرى غطاءً لمصالح ضيقة، وتحولت الدولة إلى غنيمة، والوظيفة العامة إلى ملكية خاصة، ما أدى إلى إفساد المعنى العام وتقويض الثقة بالخطاب السياسي والنخب، وفتح المجال أمام قوى أكثر عنفاً تزعم الإصلاح بينما تعيد إنتاج الفساد بأشكال أشد قسوة.
وفيما يتعلق بالفيدرالية، شدد بن مبارك على أنها ليست أصل الأزمة ولا حلاً سحرياً لها، موضحاً أن أي شكل للدولة لا يمكن أن ينجح في غياب دولة حديثة عادلة، حيث تتحول اللامركزية دون دولة إلى فوضى، كما تتحول الوحدة دون عدالة إلى قسر.
كما تناول دور القبيلة، مفرقاً بين كونها مكوّناً اجتماعياً تاريخياً أدى أدوار حماية وتنظيم، وبين القبلية كمنطق حكم، معتبراً أن الخلط بين الواقع الاجتماعي وأداة السلطة أسهم في إضعاف فكرة المواطنة وإحلال الولاءات الأولية محل القانون.
وأكد رئيس الوزراء السابق أهمية تجربة مؤتمر الحوار الوطني، معتبراً أن قيمته لا تكمن في كونه قدّم حلولاً نهائية، بل في كسره لاحتكار القوة للسؤال السياسي وفتحه أفق التفكير نحو بدائل غير قائمة على الغلبة، مشيراً إلى أن الخطأ لم يكن في الحوار ذاته، بل في تعطيله بالقوة أو التعامل مع مخرجاته كمسلمات جامدة دون تطوير.
وفي السياق نفسه، رحّب بن مبارك باستجابة المملكة العربية السعودية لدعوات عقد مؤتمر جامع يناقش القضية الجنوبية بمختلف أبعادها، معتبراً ذلك فرصة سياسية جادة للانتقال من منطق الغلبة إلى منطق السياسة، وفتح مسار حواري منظم بعيداً عن الإقصاء وفرض الأمر الواقع، يمكن أن يشكّل محطة مهمة في معركة استعادة الدولة.
وختم بن مبارك مقاله بالتأكيد على أن منطق الغلبة كان الخيط المشترك في معظم لحظات الهدم في تاريخ اليمن، محذراً من أن الدولة التي تُبنى بالقوة تُهدم بالقوة، وأن المجتمع الذي يُدار بالإقصاء لا ينتج إلا صراعات مؤجلة، داعياً إلى شجاعة فكرية وأخلاقية لمواجهة الأسئلة الصعبة، وبناء دولة عادلة تتسع لجميع اليمنيين، محذراً في الوقت ذاته من خطورة إضاعة الفرص المتاحة مرة أخرى.