الوطن العدنية/كتب_سعيد النخعي
سمعتُ مقولةً من سياسي كان من قادة الصفّ الأول في دولة الجنوب، في حديثٍ طويلٍ دار بيننا، ولا أدري هل خرجت بقصدٍ أم بغير قصد، قال:
أبناء المثلث – الاسم الجامع للضالع ويافع وردفان – مواقفهم السياسية ثابتة، لكن سلوكياتهم في السلطة منفلتة، غير منضبطة ولا مسؤولة، والبدو – الاسم الجامع لأبين وشبوة – مواقفهم السياسية برجماتية غير واضحة، لكن إذا تولّى السلطة رجل دولة، ومسؤولٌ للجميع.
لم أصدّق هذه المقولة ولم أكذّبها، لكني منذ سمعتها ظللت أكرّر عرضها على كل التجارب القديمة والجديدة؛ فوجدت فيها قدرًا من الموضوعية.
وهي مزايا وعيوب في كل طرف، والكمال لله وحده، والحديث هنا عن النخب السياسية الجنوبية، ولا يُقصد به عوام الجنوبيين؛ فالجنوبيون بصفة عامة شعب عاطفي، يصدّق الساسة جملةً، ويكفر بهم جملةً بلا مقدمات في الذهاب أو الإياب، يقبلون بالأجنبي ولا يقبلون بعضهم، خيرُ أرضهم يذهب لغيرهم دائمًا في كل المراحل، ولا أقصد مرحلةً معينة. لذا ظلّت هذه البقعة تستقبل الموجات القادمة إليها، سواء من المحافظات الشمالية، أو القرن الإفريقي، أو شبه القارة الهندية، حتى اليهود عاشوا معزّزين مكرّمين في حِمى القبائل التي نزلوا بجوارها، وخرجوا بأموالهم حين قرّرت بريطانيا عام 1948م ترحيلهم إلى فلسطين، فيما عُرف تاريخيًا بعملية بساط الريح.
وحين تعيد اختبار هذه المقولة كأداةٍ من أدوات السياسة، تجدها ضرورةً لأي مهمة وطنية؛ فالسياسي ليس كتابًا مفتوحًا، على طريقة القائد «سِرّة في رأسه»، فالغموض ميزة دهاء، وصفة أصيلة من صفات الحكم، كما إنّ الثبات علامة للصدق، وشيمة من شيم الإباء؛ فالتحوّلات العظيمة لا تُصنع إلا بثبات المواقف،ورشاد العقول.
هاتان البؤرتان الجنوبيتان هما مكمن القوة ونقطة الضعف معًا؛ فاختلافهما يعصف بالجنوب كله، واتفاقهما ضمانة للجنوب كله، وأي شراكة قادمة تختزل الجنوب في طرف دون الآخر فهي استقطاب سياسي لضرب أحدهما بالآخر، وخديعة لضمان الانقسام؛ لبقاء الهيمنة. وتقاربهما ضمانة للجنوب كله، لكنها مهمة عجزت عنها كل النخب المتعاقبة، رغم اختلاف الأجيال وتعاقب الأنظمة، لذلك بقي الجرح مفتوحًا، لا يحتاج نبش أوجاعه سوى ذرّ قليل من الملح كلما دعت الحاجة للسيطرة، بسبب عجز النخب عن سدّ هذه الثغرة التي نفذت منها كل الهزائم. ولو حضر العقل في مراحل الاستقطاب، لأيقن الجميع أن الصعود على أشلاء شريك الوطن هو انتكاسة للإخوة والوطن معًا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا تتنازل هذه النخب لبعضها كما تتنازل مرارًا للآخر بذريعة «الضرورات تبيح المحظورات»؟ لماذا لا تعيد تفعيل هذه الخاصية فيما بينها؟ فالتنازل في سبيل المصلحة الوطنية أشرف وأنبل من المصلحة الشخصية أو الفئوية الضيقة.
خرجت روسيا وتركت الجنوب وحيدًا ليلقى مصيره بنسيج اجتماعي ممزق، واقتصاد متدهور، ونفسية منهكة، وأرضٍ يبست ضروعها الأحقاد.
فوهم حكّام دولة 86م أن الوحدة حلّ، فجعلوا شرطها إبعاد الجنوبي الآخر، ليضمنوا تمثيل الجنوب وحدهم في دولة الوحدة، ليعيد صالح توظيف نفس الورقة في 1994م لترسيخ الوحدة، فكان إقصاء الجنوبي للجنوبي ثمن الوحدة في الذهاب وترسيخها ثمنًا لها في الإياب.
اجتاح الحوثي وصالح الجنوب في 2015م، فلم تفرّق القوات الغازية بين منطقة وأخرى؛ لأن الأولوية للسيطرة على الأرض، ثم تثبيت السلطة، ثم البحث عن الشريك.
خرج الحوثيون من الجنوب، وكان هادي -للأمانة التاريخية- أول من حاول صنع تقارب حقيقي بين الجنوبيين، على أساس الشراكة الفعلية في السلطة والقرار، فمكّن صاحب أبين – بحسب تعبير عفّاش – قادة الضالع، - وهم القيادة السياسية لأبناء المحميات الغربية بعد الثورة- من عدن، فعيّن عيدروس محافظًا، وشلالًا مديرًا لأمنها، معزّزين بقوات من الضالع، تم إفساح المجال لتمكينها على حساب مقاومة عدن التي جمعت كل الطيف الجنوبي. كان الرجل الثمانيتي يكرّر مقولته المشهورة: «ازقروا السلطة وستفرضون شروطكم من داخلها»، فنزعوا أيديهم من يد هادي، ليبايعوا الإمارات، ومعها مخلفات الاشتراكي، وجواسيس الأمن القومي، لإزاحة هادي من سلطة وهميّة لم يُمكَّن منها هادي نفسه في صنعاء، وخلفه الرباعية والمجتمع الدولي، ولا في عدن بتحالف إقليمي.
كان هادي محقًّا في نصيحته لهم في إطار المتاح الممكن، فحالت نشوة الدراهم وهدير المدرّعات الإماراتية دون سماع النصيحة، ربما بتأثير النزعة التسلطية، وربما بدوافع الحنين للخطب على المنصّات وإحراق الإطارات في الطرقات.
ليقرّروا فجأة الدخول في تبعية مطلقة مع الإمارات، وفضّ الشراكة مع الشرعية التي يمثّلها الجنوبي هادي، ليعودوا إليها بعد إزاحته.
وكالعادة، من يرفض التنازلات المشرفة للقريب سيضطرّ مجبرًا لتقديم فروض الولاء والطاعة للبعيد نكايةً بنصفه الآخر، مما يُظهر هزالة العقلية وسفاهة التفكير .
سعيد النخعي
8/يناير/2026م