منوعات

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 04:39 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/متابعات


يصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على السيطرة على غرينلاند، وهي جزيرة شاسعة قليلة السكان وغنية بالمعادن، تقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي.

وقال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأميركية يوم الأحد الماضي: "إنها ذات أهمية استراتيجية بالغة. غرينلاند الآن محاطة بسفن روسية وصينية في كل مكان. نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي".

وقد دقت تصريحاته، التي جاءت عقب عملية عسكرية جريئة في فنزويلا، ناقوس الخطر في جميع أنحاء أوروبا، حيث حذرت الدنمارك من أن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند ستمثل نهاية حلف الناتو العسكري.

يبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 57 ألف نسمة، وهي على مقربة من طرق الشحن القطبية الناشئة، حيث يتيح ذوبان الجليد السريع فرصاً لتقليص وقت السفر بين آسيا وأوروبا بشكل كبير مقارنة بقناة السويس.

كما تقع غرينلاند على ما يُعرف بـ"فجوة غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة" أو اختصاراً بـ"ممر جيوك"، وهي نقطة اختناق بحرية تربط القطب الشمالي بالمحيط الأطلسي.

إلى جانب موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي، تشتهر غرينلاند بوفرة مواردها الخام غير المستغلة، من احتياطيات النفط والغاز إلى رواسب المعادن الحيوية وكنوز العناصر الأرضية النادرة.

تُعدّ هذه المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة مكونات أساسية في التقنيات الناشئة، مثل توربينات الرياح، والمركبات الكهربائية، وتقنيات تخزين الطاقة، وتطبيقات الأمن القومي. سعت الصين مراراً وتكراراً العام الماضي إلى استغلال احتكارها شبه الكامل للمعادن الأرضية النادرة للضغط على الولايات المتحدة.

وقال كلايتون ألين، رئيس قسم الممارسات في مجموعة أوراسيا، وهي شركة استشارات في المخاطر السياسية: "ترامب رجل عقارات... تتمتع غرينلاند ببعض من أثمن المواقع من حيث الميزة الاقتصادية والدفاع الاستراتيجي للعقود الثلاثة إلى الخمسة القادمة".

منظور الأمن القومي
للولايات المتحدة وجود فعلي في غرينلاند حالياً، إذ تقع قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي كانت تُعرف سابقاً باسم قاعدة ثول الجوية، في شمال غرب غرينلاند، على الجانب الآخر من خليج بافن قبالة نونافوت، كندا.

ويُقدّر عدد أفراد القوات الأميركية المتمركزين هناك بشكل دائم بنحو 150 جندياً، بعد أن كان عددهم حوالي 6000 جندي خلال حقبة الحرب الباردة.

قال أوتو سفيندسن، الباحث المشارك في برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: "لأسباب وجيهة، تمتلك الولايات المتحدة قاعدة جوية للإنذار المبكر في شمال غرب غرينلاند، لأن أقصر مسار لصاروخ باليستي روسي للوصول إلى الولايات المتحدة القارية يمر عبر غرينلاند والقطب الشمالي".

وأضاف سفيندسن أن القاعدة، التي تضم أيضاً مطاراً نشطاً وأقصى ميناء للمياه العميقة شمالاً في العالم، لطالما كانت محورية في مراقبة الغواصات الروسية التي تعبر ممر جيوك.

وأوضح سفيندسن: "من التهديدات أو العوامل الناشئة حديثاً أن غرينلاند تقع على مفترق طريقين ملاحيين محتملين عبر القطب الشمالي، وهما الممر الشمالي الغربي وطريق البحر العابر للقطب الشمالي".

وأضاف: "مع استمرار تغير المناخ في جعل هذين الطريقين أكثر جدوى، توجد مصالح تجارية هناك أيضاً، مما يعزز قيمة الجزيرة في مجال الأمن القومي".

أظهرت استطلاعات الرأي السابقة أن سكان غرينلاند يعارضون بشدة سيطرة الولايات المتحدة، بينما تؤيد أغلبية كبيرة استقلالهم عن الدنمارك.

القبة الذهبية
يقول المحللون إن غرينلاند قد تثبت فائدتها للولايات المتحدة كقاعدة انطلاق لتعزيز وجودها الدفاعي، وموقعاً لصواريخ الاعتراض الأميركية، لا سيما في سياق إحدى السياسات الرئيسية لإدارة ترامب: نظام الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية".

هذه المبادرة، التي تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات، والتي أُطلقت في مايو من العام الماضي، وكثيراً ما تُقارن بنظام "القبة الحديدية" الإسرائيلي، هي خطة طموحة تهدف إلى حماية الولايات المتحدة من جميع الهجمات الصاروخية.

يقول ألين من مجموعة أوراسيا: "تحتاج الولايات المتحدة إلى الوصول إلى القطب الشمالي، وهي لا تملك حالياً وصولاً مباشراً كافياً، بينما سيكون ذلك ممكناً عبر غرينلاند. ولكن تحتاج الولايات المتحدة إلى نشر دفاعات جوية على مقربة متزايدة من روسيا لمواجهة أسلحة الجيل القادم التي لا يمكن صدّها حالياً بما هو متاح لدينا".

وتابع قائلاً: "يريد ترامب بناء قبة ذهبية فوق الولايات المتحدة، وجزء من ذلك سيعتمد على غرينلاند".

أمن قومي أم اقتصادي؟
أثار تصريح ترامب بأن ضم غرينلاند جزء أساسي من الأمن القومي الأميركي استغراب البعض. ويمثل هذا التصريح تحولاً ملحوظاً في لهجته عما كان عليه قبل عام تقريباً، حين أشار الرئيس المنتخب آنذاك إلى "الأمن الاقتصادي" كعامل رئيسي لضم الجزيرة.

وأقرت ماريون مسمر، مديرة برنامج الأمن الدولي في مركز تشاتام هاوس للأبحاث بلندن، بصحة القول بأن روسيا والصين قد كثفتا أنشطتهما العسكرية في القطب الشمالي خلال السنوات الأخيرة، وأنه في حال أطلقت موسكو صواريخ على الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تمر فوق غرينلاند.

وقالت مسمر في تحليل مكتوب نُشر يوم الثلاثاء: "مع ذلك، يبقى غير واضح لماذا تحتاج واشنطن إلى السيطرة الكاملة على غرينلاند للدفاع عن نفسها".

وأشارت إلى وجود الولايات المتحدة بالفعل في قاعدة بيتوفيك الفضائية، فضلاً عن اتفاقية دفاعية عمرها عقود مع الدنمارك تسمح لواشنطن بمواصلة استخدامها.

قالت مسمر: "خلال الحرب الباردة، نشرت الولايات المتحدة ما يصل إلى 6000 جندي في عدد من المعسكرات المنتشرة في أنحاء الجزيرة. ومن المفترض أنها تستطيع زيادة وجودها العسكري مجدداً إذا رأت ضرورة لتعزيز وجودها في المنطقة، دون المساس بالسيادة الدنماركية".

على الجانب الاقتصادي، ستمكن غرينلاند للولايات المتحدة الاستحواذ على خُمس المعادن الأرضية النادرة حول العالم. إذ تحتضن غرينلاند نحو 1.5 مليون طن من النيوديميوم، الديسبروسيوم، والتيربيوم، وهي مواد أساسية لتكنولوجيا البطاريات، السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح.

كما سيقلل ذلك من اعتماد واشنطن على الصين، والتي تسيطر على 90% من سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الأرضية النادرة.

تحتوي بعض الرواسب مثل Kvanefjeld على يورانيوم مدمج مع المعادن الأرضية النادرة، لكن التعدين عليه ممنوع منذ 2021 بسبب المخاوف البيئية والشعبية. أعلن البيت الأبيض هذا الأسبوع انسحابه من عدد كبير من الاتفاقيات البيئية.