مقالات وآراء

الإثنين - 02 فبراير 2026 - الساعة 08:19 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب_غانم سالم بحاح

لطالما مثّلت حضرموت نموذجًا داعمًا لفكرة الدولة، ورافدًا للاستقرار، وميلًا أصيلًا نحو قيم السلم والتسامح والتشارك. وعلى امتداد المراحل التاريخية المختلفة، قدّم الحضارم الصالح العام على حساب مصالحهم الخاصة، وتعاملوا مع الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا غنيمة سياسية.
غير أن المشهد اليوم يشهد تصاعدًا واضحًا في صوت النخبة الحضرمية، واتساعًا في الحراك الشعبي المطالب بإدارة ذاتية؛ وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: من أين جاء هذا المطلب؟ وهل يشكّل خروجًا على القيم السياسية الحضرمية، أم انعكاسًا ناضجًا لتجربة تاريخية طويلة؟
إن القراءة الموضوعية المتجردة للتاريخ السياسي للحديث للدولة اليمنية يكشف لنا جذور هذا الحراك السياسي الحضرمي ويسلط الضوء على محركاته ومآلاته.
فحضرموت ذات العمق التاريخي والثقل الجيوسياي وجدت نفسها في لحظة تاريخية مفصلية ملحقة بكيان سياسي ناشئ، تمثّل في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، الحاقٌ لم يكن للشعب الحضرمي خيارٌ فيه، ولم يكن هذا الكيان يشبه حضرموت ولا يحترم خصوصيتها.
لم يدم الأمر طويلاً فماهي الا عقود قليلة من الصراع والتفكك الداخلي حتى ذاب هذا الكيان العابر في كيان أكبر منه وأوسع هو الجمهورية اليمنية، ومرة أخرى لم يكن للشعب الحضرمي خيار في الانضمام الى هذا الكيان او رفضه.
في كلا التجربتين جرى التعامل مع حضرموت بوصفها مساحة استراتيجية يجب الحاقها لا تمكينها، ومنطقة موارد ينبغي استغلالها لا مشاركتها، فيما قوبلت قيمها السلمية بمزيد من الإقصاء والاستغلال والتهميش.
ان الفعل السياسي لا ينطلق من نزوة عابرة او حلم شخصي بل هو مرتبط جذرياً بذاكرة الشعوب وقيمها وتطلعاتها، ولو قرأنا المشهد الحضرمي بنظرة موضوعية محايدة لأدركنا بوضوح أن مطالبة حضرموت بإقليم ذاتي ضمن دولة يمنية واحدة ليس إلا انعكاساً لتجربتها السياسية المريرة وتجسيداً لقيمها الثقافية السامية التي تؤمن بالوطن الجامع والشراكة العادلة.
إن الحضارم اليوم يدركون وزنهم الجيوسياسي، ويمتلكون من أوراق القوة ما يؤهلهم لعرض مطالبهم بوضوح ومسؤولية، وهم وإن كانوا يسعون الى حكم ذاتي ضمن دولة فدرالية فهذا لا يعني أن لديهم مشروعاً انفصالياً او تفكيكياً بل يعكس نضجاً سياسياً واضحاً؛ فالحضارم يدركون جيداً أهمية الوحدة في عالم اليوم، وأن الكيانات الصغيرة والمشاريع الضيقة مصيرها الغرق والالحاق والتبعية، وهم ينطلقون من وعي سياسي واقعي ومن قيم دينية راسخة في الوجدان تدعوا الى التوحد والاصطفاف؛ لكن في نفس الوقت يدركون أيضاً أن الوحدة بصيغتها السابقة لم تعد واقعاً ممكناً ولا يمكن إصلاحها بالشعارات والخطابات السياسية، وأن العودة الى مربع الإنفصال وعهد دولة اليمن الديمقراطية الشعبية لا يلبي تطلعات الشارع الحضرمي ولا يمسح ذاكرتهم التاريخية.
إن تجاهل مطالب الشارع الحضرمي والقفز عليها لن يؤدي إلى إخمادها، بل إلى تحوّلها من طرح سياسي عقلاني إلى أزمة مفتوحة ونار كامنة، بينما قد يشكّل احتواؤها ضمن إطار وطني عادل إحدى آخر فرص إنقاذ الاستقرار في شرق اليمن.

بقلم : غانم سالم بحاح
الأمين العام لحركة نداء حضرموت