مقالات وآراء

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 02:56 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/أمين الأمين الردفاني

تتجه أنظارنا دائماً نحو الحقول النفطية الشهيرة في الجنوب كشبوة وحضرموت، ويغيب عن الكثيرين سرّ جيولوجي وتاريخي مدفون في المسافة الممتدة من صحاري لحج المتاخمة لـ العند والعشش، مروراً بسواحل عدن، وصولاً إلى عمق دلتا أبين..!
هنا،، في قلب هذا المحور الاستراتيجي، ترقد ثروة هائلة ليست تكهنات، بل حقيقة وثقتها تقارير الخبراء السوفييت قبل عقود !!

البدايــة: حين كــشف "الرفاق" المســتور
في ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً في عهد "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، كانت شركة "تكنو إكسبورت" السوفيتية تجوب هذه المناطق بمعداتها الثقيلة، لم تكن رحلاتهم عشوائية، بل كانت مبنية على خرائط "حوض عدن - أبين" الرسوبي.
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن الفرق السوفيتية نجحت بالفعل في حفر آبار استكشافية في مناطق عدة بلحج وأطراف عدن وأبين، وظهرت "شواهد نفطية" مؤكدة، ولكن، لماذا أُغلقت تلك الآبار؟
السبب حينها لم يكن انعدام النفط، بل "الطبيعة الجيولوجية المعقدة" لهذا الحوض؛ فهو يتكون من تراكيب متصدعة تتطلب تقنيات حفر متقدمة وتمويلاً ضخماً لم يكن متوفراً لدولة الجنوب حينها، فتم تأمين هذه الآبار وسدها كـ "احتياط استراتيجي" للمستقبل!

التــهميــش المتــعــمد: ما بعد عام 1990
بعد قيام الوحدة، حدث تحول دراماتيكي في سياسة التنقيب، تم توجيه البوصلة بالكامل نحو حقول حضرموت وشبوة، ليس فقط لسهولة استخراج النفط من أحواضها الرسوبية "الهادئة" مقارنة بحوض عدن-أبين المعقد، بل لأسباب سياسية بحتة هدفت إلى تهميش هذا المحور (لحج-عدن-أبين) وإبقائه خارج خارطة الإنتاج القومي، لقد تُرِكت هذه الثروات تحت الرمال، وظلت الآبار السوفيتية القديمة "مغطاة" بقرار سياسي غلفته مبررات الصعوبة الجيولوجية!

الزلازل وتــعــزيز المــخــزون:
من الناحية الجيولوجية الحديثة، شهدت منطقة الجزيرة العربية وخليج عدن خلال العقود الأخيرة نشاطاً زلزالياً وتكتونياً ملحوظاً، وبحسب القراءات العلمية لحركة الصفائح، فإن هذه الهزات والتحركات في صدع خليج عدن تؤدي غالباً إلى "هجرات نفطية" داخل الطبقات الرسوبية.
ويتوقع خبراء الجيولوجيا أن هذه الحركات التكتونية قد ساهمت في تعزيز التجمعات النفطية وزيادة تركيزها في المكامن العميقة الممتدة من العند والعشش وصولاً إلى أعماق أبين، ما كان يُعتبر معقداً في الثمانينيات، أصبح اليوم -بفضل التكنولوجيا الحديثة والحركات الجيولوجية الأخيرة- كنزاً ناضجاً ينتظر الاستخراج!

المستـقبل: نهـضة الجــنوب القادمـــة
إن الحقيقة التي لا يمكن نقدها هي أن هذه المناطق ليست مجرد أراضي زراعية أو عسكرية، بل هي "خزان استراتيجي" لم يُمس بعد، وإن استقرار الأوضاع السياسية والتعاقد مع شركات عالمية تمتلك تقنيات "الحفر المائل" والمسح ثلاثي الأبعاد، سيكشف للعالم أن المسافة بين لحج وأبين هي "العملاق النائم" في اقتصاد الجنوب ! وحينئذ لن تعتمد ميزانية الدولة على حقول شبوة وحضرموت فحسب، بل ستكون لحج وعدن وأبين هي الرافد الجديد الذي ينعم الشعب الجنوبي بخيراته، ليعاد كتابة التاريخ الاقتصادي للمنطقة من جديد بأيادي جنوبية وطنية وعقول مدركة لقيمة ما تحت أقدامها!

وهــذه خارطــة القطـاعـات الرسـمـيــة الواعـدة في محــور (لحج - عدن - أبين):
لكي لايظن البعض أن كلامنا هذا خالي من الشواهد الرسمية فإن الخارطة الرسمية لهيئة استكشاف وإنتاج النفط تظهـر تقسيمات واضحة لهذه المناطق، حيث تم تحديد قطاعات استكشافية دولية تحمل أرقاماً رسمية، وهي كالتالي:

​القطــاع رقم (17) - "قطاع عدن-أبين":
يُعد هذا القطاع الأضخم والأكثر استراتيجية، حيث يمتد من سواحل عدن ويدخل في عمق محافظة أبين وأجزاء من لحج، هذا القطاع هو الذي شهد اهتمام شركات عالمية مثل "ميدكو إنرجي" و"ريلاينس"، وأثبتت الدراسات الزلزالية وجود أحواض رسوبية عميقة فيه تشير إلى مخزونات هيدروكربونية مؤكدة.

​القطــاع رقم (19) - "قطاع جنوب لحج":
يغطي مساحات واسعة من محافظة لحج، وتحديداً المناطق القريبة من الحوطة والعند، هذا القطاع هو الذي يضم "الآبار المغطاة" التي حفرها السوفييت قديماً، وتعتبره التقارير الجيولوجية امتداداً طبيعياً للمنخفضات النفطية التي لم تستغل بعد.

​القطــاع رقم (28) - "قطاع شمال أبين":
وهو القطاع الذي يربط بين المرتفعات والسهول، ويمتاز بتكوينات جيولوجية حابسة لكميات كبيرة من الغاز الطبيعي والنفط الخفيف، وفقاً للمسوحات الأولية.

​القطــاعـيـن (57) و(58) - "القطاعات البحرية":
وهي القطاعات الممتدة في المياه الإقليمية لعدن وأبين (قاع البحر)، حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن الامتداد البحري لحوض عدن يمتلك إمكانيات تفوق التوقعات، مشابهة لتلك الموجودة في أحواض نفطية عالمية في شرق أفريقيا.

​لمـــاذا هذه الأرقــام مهــمـة؟!
​لأن وجود هذه الأرقام في السجلات الرسمية الدولية يعني أن هذه المناطق ليست "صحراء قاحلة" بل هي "بلوكات استثمارية" مسجلة عالمياً، وإغلاقها أو عدم العمل فيها حالياً لا يعني خلوها من النفط، بل يعني أنها "مخزون استراتيجي" ينتظر لحظة التحرر الاقتصادي والقرار السياسي والسيادي المستقل للبدء بالاستخراج والإنتاج!

مـن الأخيـر أقول لكم: إن النفط في الجنوب ليس محصوراً في مكان أو مكانين؛ بل هو قدر جيولوجي مثبت علمياً ورسمياً ويمتد من أقصى الشرق إلى أبواب عدن لحج، وأننا بانتظار اللحظة التاريخية التي يستعيد فيها الشعب الجنوبي دولته ليكشف الحجاب المصطنع عن تلك الآبار المنسية!
#أمين_الأمين