الوطن العدنية/د.محمد العامري
منذ ظهور مليشيا الحوثيين كجماعة مسلحة في المشهد اليمني، يتساءل كثير من اليمنيين لماذا تحولت المملكة العربية السعودية إلى هدف رئيس في خطاب الحوثيين وممارساتهم السياسية والعسكرية؟
ويزداد هذا التساؤل حضوراً وغرابة بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين الشعبين اليمني والسعودي بناء على الروابط الجامعة بين البلدين - دينية وجغرافية وتاريخية واجتماعية عميقة - فضلاً عن وجود ملايين اليمنيين المقيمين في المملكة منذ عقود يعملون فيها ويمثلون رافداً اقتصادياً مهماً للمجتمع اليمني وذويهم من خلال التحويلات المالية ودعم الاقتصاد المحلي.
وفي المقابل لم يتحصل من العلاقة مع إيران التي سعت لها مليشيا الحوثي على أية مصالح تنموية أو اقتصادية بل ارتبط حضورها في اليمن بتعقيدات الصراع العقائدي و السياسي والعسكري، وإشعال الفتن ودعم مشاريع الخراب والقتل والتهجير والتشريد وإطالة أمد الصراعات والانقسام الداخلية.
وللوقوف على طبيعة هذا العداء الحوثي تجاه المملكة لا بد من النظر إليه باعتباره مركباً من عوامل عدة عقدية وسياسية وغيرها ، لا مجرد محصلة لخلافات عارضة ومن أهم ذلك الآتي.
أولاً:- البعد العقائدي والصراع الفكري
يمثل العامل العقدي والفكري أحد أهم المفاتيح الأساسية لفهم دوافع العداء الحوثي للمملكة العربية السعودية ، فالحوثيون لاينظرون - كما ينظر اليمنيون - إلى المملكة العربية السعودية كدولة شقيقة عربية وإسلامية مجاورة ذات أفضال ومعروف على الشعب اليمني لاينكر بل يقيمون نظرتهم إليها من خلال تصورهم العقدي المرتبط بنحلتهم الرافضية ومشروعهم الفكري المرتبط بولاية الفقيه في طهران .
فالمرجعية العقدية الطائفية التي يستند إليها الحوثيون تختلف عن المرجعية الإسلامية السائدة في المملكة ومعظم بلدان العالم الإسلامي وقد أدى هذا الاختلاف إلى تشكل خطاب سياسي ذي نزعة مذهبية عدائية تحولت فيه الخلافات الفكرية إلى أدوات للتعبئة والحشد السياسي والعسكري
ومن هنا أصبح البعد العقائدي عمود خطاب التكفير والكراهية الذي يستخدمه الحوثيون ضد خصومهم وتحويله من المجال المذهبي والطائفي إلى المجال السياسي والعسكري ليكون عنصراً مؤثراً في طبيعة العلاقة مع السعودية كما هي مع بقية أعلب اليمنيين .
ثانياً: البعد السلالي وفكرة الاصطفاء السياسي
يرتبط مشروع الحوثيين أيضاً بتصورات سياسية وتاريخية حول أحقية فئة محددة بالسلطة والحكم وهي أفكار ارتبطت بتيار الجارودية الزيدية في اليمن عبر مراحل تاريخية مختلفة.
ويقوم هذا التصور على منح الشرعية السياسية لفئة محددة وفق اعتبارات النسب أو الانتماء السلالي - البطنين - وهو مفهوم يتعارض مع نموذج الدول المعاصرة القائم على المواطنة المتساوية .
ومن هذه الزاوية فإن الصدام السياسي والفكري غير مختص بالسعودية وحدها بل يرتبط بجميع النظم والمشايع السياسية المختلفة عن النظام الحوثي السلالي الكهنوتي الذي يختلف عن نموذج الدولة الوطنية الحديثة القائمة على مفهوم المواطنة والمؤسسات.
ثالثاً: العامل الإيراني والصراع على النفوذ الإقليمي
يعتبر الارتباط الحوثي بإيران من أبرز العوامل التي تفسر طبيعة العداء الحوثي للمملكة العربية السعودية.
فالحوثيون يمثلون طرفاً من شبكة حلفاء إقليمية مرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة وقد انعكس ذلك في طبيعة خطابهم وتحركاتهم السياسية والعسكرية في المحطات المتصلة بإيران تجاه السعودية.
وفي إطار هذا التنافس الإقليمي بين إيران وخصومها أصبحت مليشيا الحوثي إحدى أدوات الضغط التي تستخدمها طهران لتعزيز نفوذها وفتح جبهة متجددة مع السعودية بما يمنحها أوراقاً إضافية في الصراع الإقليمي.
وبذلك لم يعد العداء الحوثي للسعودية محصوراً في الملف اليمني الداخلي بل أصبح جزءاً من تنافس أوسع على النفوذ وموازين القوى في المنطقة.
رابعاً: الصراع على مستقبل الدولة اليمنية وموقعها الاستراتيجي
يمثل اليمن أهمية استراتيجية كبرى للمملكة العربية السعودية بحكم الجغرافيا والحدود والموقع الحيوي في جنوب الجزيرة العربية والممرات البحرية.
ومن هذا المنطلق يعمل الحوثيين وبدعم من طهران للسيطرة على مقدرات الشعب اليمني والسطو على مؤسسات الدولة اليمنية لمنح إيران نفوذاً واسعاً وموقعاً مهماً بالقرب من السعودية لصالح مشروع طهران التوسعي في المنطقة وهو ما يجعل اليمن ساحة رئيسية بفعل طيشان وحماقة الحوثيين لضرب المصالح اليمنية وسيادتها في حروب وأطماع إيران وعدوانها.
خامساً: استهداف الدور السعودي ومكانتها الإقليمية
تتمتع المملكة العربية السعودية بمكانة خاصة في العالم الإسلامي والعربي ليس فقط بسبب ثقلها السياسي والاقتصادي وإنما لاحتضانها الحرمين الشريفين، وما تمثله من رمزية دينية وسياسية لجميع المسلمين.
ولهذا يعمل الحوثيون من خلال مواجهة السعودية للحصول على قيمة إعلامية ورمزية بتقديم أنفسهم كقوة قادرة على التحدي ومناوشة دولة ذات وزن إقليمي ودولي.
فاستهداف المملكة يحمل بعداً يتجاوز الجانب العسكري إلى محاولة التأثير وإرسال رسالة سياسية للمجتمع الدولي لتجاوز العزلة التي فرضتها بتمردها وانقلابها على مؤسسات الدولة.
سادساً: توظيف العداء الخارجي في التعبئة الداخلية
يعتمد الحوثيون من خلال واقعهم على تنشيط وتفعيل العداوات الخارجية لتعزيز تماسك أنصارهم وتبرير سياساتهم
وفي هذا السياق يستخدم الحوثيون خطاب المواجهة مع السعودية كأداة تعبئة سياسية وإعلامية لتقديم أنفسهم باعتبارهم حركة مواجهة ومقاومة من جهة وصرف الأنظار عن الإشكالات الداخلية المرتبطة بإدارة مناطق سيطرتهم والتحديات السياسية والاقتصادية التي تواجههم من جهة أخرى
سابعاً: محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمية
يسعى الحوثيون جاهدين إلى تجاوز كونهم جماعة محلية مسلحة إرهابية غير معترف بها إلى تقديم أنفسهم كقوة مؤثرة في الملفات الإقليمية.
ومن خلال امتلاك القدرات العسكرية التي تمدهم بها إيران خصوصاً في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة يحاولون فرض حضورهم كلاعب مؤثر في المعادلات الإقليمية للحصول على موقع تفاوضي أكبر في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
ويتصل بذلك تقديم قرابين وخدمات لصالح ملالي طهران من خلال المسارات العسكرية واستخدام القوة كوسيلة ضغط سياسيةً وتفاوضية.
فالقوة العسكرية بالنسبة لمليشيا الحوثي ليست مجرد وسيلة دفاعية بل ورقة تستخدم للتأثير على مسار الصراع الداخلي والإقليمي.
الخاتمة
إن العداء الحوثي سواء تجاه عامة الشعب اليمني ومؤسسات الدولة اليمنية أوالأشقاء في المملكة العربية السعودية لا يمكن تفسيره من خلال عامل واحد بل هو نتيجة اجتماع عوامل متعددة عقدية وفكرية مرتبط بالهوية الحوثية الرافضية والمشروع السياسي العدواني المرتبط بالصراع على النفوذ والمستوى الاستراتيجي المتعلق بموقع اليمن وأمن الجزيرة العربية.
ومن ثم فإن فهم هذا العداء يتطلب قراءة عميقة لجميع أبعاده لتكون المحصلة الطبيعية ضرورة الاصطفاف اليمني من عموم التوجهات اليمنية السياسية والاجتماعية والقبلية خلف القيادة السياسية والحكومة الشرعية بالتعاون مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية لتخليص اليمن من هذه المليشيا الكارثة على اليمن وجيرانه ولمواجهة عدوانها المتخادم مع المشروع الايراني.