ليست معركة استعادة قطاع النفط في اليمن مجرد مساعٍ لإعادة تشغيل المنشآت أو استئناف عمليات التصدير، بل هي معركة سيادية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالنفط لم يكن يومًا مجرد مورد اقتصادي، بل ظل لعقود العمود الفقري للاقتصاد الوطني، والرافعة الأساسية للإيرادات العامة، إذ شكّل في سنوات الاستقرار ما يقارب 70% من إيرادات الدولة، إلى جانب كونه المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، وصمام الأمان للاستقرار المالي، وأحد أهم مرتكزات قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وتمويل الخدمات الأساسية.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن يضع مجلس القيادة الرئاسي، برئاسة فخامة الدكتور رشاد محمد العليمي، وبدعم وإسناد من أعضاء المجلس، ملف النفط في صدارة الأولويات الوطنية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استعادة هذا القطاع تمثل نقطة الانطلاق الحقيقية نحو إنعاش الاقتصاد الوطني، واستعادة التوازن المالي، وتعزيز قيمة العملة الوطنية، وإعادة الثقة بمؤسسات الدولة.
وبالتوازي مع ذلك، قاد رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني متابعة حكومية مكثفة لهذا الملف، عبر تنسيق جهود مختلف مؤسسات الدولة، وتذليل العقبات، وتسريع الإجراءات، وحشد الإمكانات اللازمة، إدراكًا بأن نجاح هذا الاستحقاق الوطني يتطلب تكامل الإرادة السياسية مع الأداء التنفيذي، والعمل بروح الفريق الواحد لإعادة تشغيل أهم مورد سيادي للدولة.
وفي قلب هذه المعركة، برز وزير النفط والمعادن الدكتور محمد بامقاء، الذي وجد نفسه أمام واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ القطاع. فاستعادة النفط لا تتحقق بقرار سياسي أو إعلان إعلامي، وإنما بمنظومة متكاملة من الإجراءات الفنية والهندسية واللوجستية والقانونية، في قطاع ظل متوقفًا عن التصدير لأكثر من أربع سنوات، وتعرضت خلال تلك الفترة منشآته وبنيته التحتية لتحديات جسيمة فرضتها سنوات التوقف والظروف الاستثنائية.
ولم يكن التحدي مقتصرًا على إعادة تشغيل الآبار أو فتح منافذ التصدير، بل امتد إلى إعادة تأهيل منظومة نفطية متكاملة. فقد خلّف التوقف الطويل آثارًا مباشرة على الحقول النفطية، وخطوط الأنابيب، ومنشآت المعالجة والتخزين والتصدير، وأنظمة الضخ والتحميل، الأمر الذي فرض برنامجًا فنيًا بالغ الدقة، شمل أعمال صيانة شاملة، وفحوصات هندسية متخصصة، واختبارات تشغيل دقيقة، ومراجعة متكاملة لمنظومات السلامة، لضمان جاهزية المنشآت واستيفائها أعلى المعايير الفنية قبل استئناف عمليات التصدير.
ورغم ضخامة هذه التحديات، قاد الدكتور محمد بامقاء جهود الوزارة بعقلية مؤسسية ورؤية عملية، واضعًا نصب عينيه ترجمة توجيهات القيادة السياسية إلى خطوات تنفيذية على أرض الواقع. فعمل على تنسيق الجهود مع الشركات المشغلة، والكوادر الفنية، والجهات الحكومية ذات العلاقة، وإعادة بناء جسور الثقة مع الشركاء، ومعالجة التعقيدات الفنية والإدارية التي تراكمت خلال سنوات التوقف، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن صناعة النفط لا تُدار بالارتجال، وإنما بالكفاءة والانضباط والخبرة والموثوقية.
ولم يقتصر الرهان على إعادة تشغيل المنشآت، بل امتد إلى إعادة تقديم قطاع النفط اليمني بوصفه قطاعًا قادرًا على استعادة حضوره في أسواق الطاقة، وتعزيز الثقة مع الشركاء، وتهيئة بيئة أكثر جاهزية لاستئناف النشاط النفطي بصورة مستدامة، تحفظ المصالح الوطنية، وتعزز مكانة اليمن في خارطة الطاقة الإقليمية والدولية.
وقد اختار الوزير أن يجعل الإنجاز يتحدث بدلًا من التصريحات، فكان الحضور الميداني، والمتابعة اليومية، وإدارة التفاصيل الفنية، والتواصل المستمر مع مختلف الأطراف، السمة الأبرز لأداء الوزارة خلال المرحلة الماضية، في نهج يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة هذا القطاع الاستراتيجي، وإيمانًا بأن الثقة لا تُمنح، بل تُبنى بالالتزام والكفاءة والنتائج.
إن استعادة قطاع النفط ليست مسؤولية وزارة بعينها، بل مشروع دولة تتكامل فيه أدوار مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، ووزارة النفط، والمؤسسات المختصة. وعندما تكتمل المتطلبات الفنية، وتعود الصادرات إلى مسارها الطبيعي، فإن ذلك لن يمثل نجاحًا إداريًا فحسب، بل سيكون إعلانًا عن استعادة أحد أهم الموارد السيادية للدولة، ورسالة واضحة بأن اليمن، رغم كل التحديات، لا يزال قادرًا على استعادة مكانته كدولة منتجة ومصدرة للنفط، وإعادة بناء قطاعه النفطي على أسس أكثر قوة واستدامة.
فالنفط ليس مجرد برميل يُصدر، ولا شحنة تغادر الموانئ، بل شريان حياة لاقتصاد وطن، وعنوان لسيادة دولة، ومفتاح رئيس لاستعادة التعافي الاقتصادي، وتعزيز الاستقرار المالي، وتحريك عجلة التنمية، وبناء مستقبل أكثر قوة واستقرارًا لليمن.