الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان
في كل مرة تتفاقم فيها الأزمات داخل مناطق سيطرة جماعة الحوثي، تلجأ المليشيا إلى التصعيد العسكري والإعلامي في محاولة لتغيير اتجاه الأنظار. فالقصف المتكرر على المعسكرات في مأرب، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور الذي يعيشه السكان في تلك المناطق.
خلال الأشهر الأخيرة، غادر آلاف الشباب مناطق سيطرة الحوثيين متجهين إلى المحافظات المحررة، وفي مقدمتها مأرب، بحثًا عن فرصة عمل أو للالتحاق بالقوات الحكومية. هؤلاء الشباب لم يغادروا حبًا في الحرب، بل هربًا من الفقر، وانقطاع الرواتب، وانعدام فرص الحياة الكريمة. ومع حصولهم على مصادر دخل، باتوا يرسلون إعانات مالية إلى أسرهم، الأمر الذي كشف حجم الفارق بين مناطق توفر الحد الأدنى من فرص العمل، وأخرى تغرق في البطالة والجوع.
وفي الداخل، تتسع دائرة الفقر، وتتزايد همسات المواطنين عن المجاعة، وعن سنوات طويلة من نهب المرتبات وتجريف الاقتصاد، حتى أصبح الحديث عن لقمة العيش هو الهم الأول لمعظم الأسر في مناطق سيطرة الجماعة.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، بل ساهمت تدخلات الحوثيين في العمل الإنساني، وفرض القيود على المنظمات، واختطاف عدد من العاملين في المجال الإنساني، في تقليص برامج الإغاثة ومغادرة عدد من المنظمات الدولية، وهو ما فاقم معاناة ملايين المحتاجين الذين كانوا يعتمدون على تلك المساعدات.
وقبل الضربات الأخيرة على مأرب، كان زعيم الجماعة قد أمضى أكثر من شهر في شن حملة خطابية وإعلامية ضد المملكة العربية السعودية، أعقبتها تصريحات لقيادات الجماعة وحملات منظمة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لتهيئة الرأي العام وتحميل السعودية مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اليمنيون.
لكن هذا الخطاب، في نظر كثير من اليمنيين، يصطدم بالواقع. فملايين اليمنيين يعملون في المملكة العربية السعودية، وتحويلاتهم المالية تمثل شريان حياة لآلاف الأسر، بما فيها أسر تعيش في مناطق سيطرة الحوثيين. كما أن الدعم الإنساني الذي قدمته المملكة خلال سنوات الحرب يبقى حاضرًا في ذاكرة اليمنيين، وهو ما يجعل محاولات تحميلها كامل المسؤولية عن معاناة المواطنين تفتقد إلى الإقناع لدى قطاع واسع من الشارع.
ومن هنا، يبدو التصعيد العسكري والإعلامي محاولة للالتفاف على الأزمة الداخلية أكثر من كونه تعبيرًا عن مواجهة خارجية. فمن خلال الحديث المستمر عن "المعركة" و"العدوان"، تحاول الجماعة إسكات الأصوات المطالبة بالرواتب وتحسين المعيشة، وتحويل كل من ينتقد الواقع الاقتصادي أو يطالب بحقوقه إلى متهم بالعمالة أو الارتباط بالخارج.
كما أن مأرب تمثل بالنسبة للحوثيين مصدر قلق حقيقي، ليس فقط باعتبارها جبهة عسكرية، بل لأنها أصبحت قبلة لآلاف الشباب الباحثين عن فرصة حياة أفضل، أو الراغبين في الالتحاق بالقوات الحكومية. ولهذا فإن القصف المتكرر على مأرب يحمل أيضًا رسالة تخويف موجهة إلى هؤلاء الشباب، في محاولة لردعهم عن مغادرة مناطق سيطرة الجماعة، وإيهامهم بأن الالتحاق بالشرعية يعني الموت، مع مواصلة حملات التخوين ووصفهم بـ"المرتزقة".
وتدرك الجماعة أن كل شاب يغادر مناطقها نحو مؤسسات الدولة يمثل خسارة لمشروعها، وكل شاب ينضم إلى القوات الحكومية يمثل إضافة للقوة التي قد تشارك مستقبلًا في استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء. ولهذا فإن المعركة الحقيقية بالنسبة للحوثيين لم تعد فقط على خطوط التماس، بل داخل مجتمعهم الذي تتزايد فيه مشاعر السخط والرفض.
إن أي سلطة تمتلك مشروع دولة تنشغل بتوفير الرواتب، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وحماية العمل الإنساني، لا بإنتاج الأزمات وتصديرها إلى الخارج كلما اشتد الغضب الشعبي في الداخل.
واليوم، تسعى المليشيا عبر ضجيج الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى إيهام أنصارها والرأي العام بأنها تخوض "معركة كبرى"، بينما تشير الوقائع إلى أنها تخوض معركة من نوع آخر؛ معركة للحفاظ على بقائها في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وتراجع الثقة الشعبية، واتساع رقعة التذمر داخل مناطق سيطرتها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن جماعة الحوثي لم تنجح في بناء مؤسسات دولة أو تحسين حياة المواطنين، بل ارتبط بقاؤها باستمرار الحرب، وتغذية الصراع، وتوسيع أدوات القمع. وكلما ازدادت معاناة الناس، ازدادت حاجة الجماعة إلى صناعة عدو خارجي للهروب من استحقاقات الداخل.
ويبقى السؤال الذي يؤرق قيادة الجماعة اليوم: إلى متى يمكن للصواريخ والخطابات أن تؤجل استحقاقات الجوع، والرواتب، والكرامة؟ فالتاريخ يؤكد أن الشعوب قد تصبر طويلًا على الفقر، لكنها لا تمنح شرعية دائمة لمن يجعل معاناتها وسيلة للبقاء في السلطة.