قال المحلل السياسي المهتم بالشأن العربي محمد عمر: إنه ضمن إطار التحولات العميقة في العلاقات الدولية، تحولت مدينة سبتة الإسبانية خلال الأيام الماضية إلى بؤرة توتر تجمع بين أزمة إنسانية غير مسبوقة وصراع جيوسياسي معقد، حيث تدفق أكثر من 72 ألف مهاجر نحو هذا الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي لأفريقيا، مخلفا وراءه أكثر من 80 قتيلاً وأزمة سياسية هزت أركان الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن ما يزيد الموقف تعقيدا هو تزايد المعلومات حول وجود أيادٍ خارجية تقف خلف هذا التدفق الجماعي، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين إسبانيا من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، على خلفية المواقف المتشددة التي اتخذتها مدريد خلال الحرب على إيران.
انقسام أوروبي يعكس هشاشة الإتحاد
وتابع المحلل، أن أزمة سبتة كشفت عن عمق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات الهجرة، حيث بادرت 22 دولة من أصل 27 بتوقيع رسالة تطالب بإجراءات أكثر صرامة ضد الهجرة غير النظامية، وفي خطوة اعتُبرت نادرة في تاريخ التكتل الأوروبي، أعلنت إيطاليا تعليق اتفاقية شنغن للسفر مع إسبانيا لمدة شهر، مبررة ذلك بمخاوف أمنية ناتجة عن تدفق المهاجرين.
وأشار المحلل إلى أن هذا التصرف أثار حفيظة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي وصف ردود فعل بعض الدول الأوروبية بأنها "أنانية" وتستند إلى "أخبار كاذبة ومصالح سياسية"، مشيرا إلى أن أزمة الهجرة أصبحت سلاحا سياسياً تستخدمه الأحزاب اليمينية المتطرفة لكسب التأييد الشعبي.
وأكد أنه بينما دعت المفوضية الأوروبية إلى "وحدة الصف والعمل المنسق" لحماية الحدود الخارجية، فإن التباين في المواقف بين دول الجنوب المتضررة ودول الشمال الأكثر تشددا يعكس أزمة ثقة حقيقية في قدرة الاتحاد على إدارة أزمات الهجرة مستقبلا.
خلفيات جيوسياسية مثيرة للجدل
واستطرد أن هناك تكهنات عدة برزت لتحاول تفسير الأسباب الكامنة وراء هذا التدفق المفاجئ، فيما خلصت أجهزة الاستخبارات الإسبانية إلى أن السلطات المغربية لم تكن وراء التخطيط المسبق لموجة العبور الجماعي إلا أنها امتنعت عن منعها وسمحت بحدوثها عبر تعمد تخفيف التواجد العسكري المغربي على حدوده مع سبتة.
ويرى المحلل، أن المغرب استغل علاقاته الوثيقة مع واشنطن وتل أبيب للضغط على إسبانيا في ملف المدينتين المحتلتين، ويتعزز هذا الطرح في ظل التصريحات الأمريكية التي وصفت سبتة ومليلية بأنهما "مدينتان إسبانيتان تقعان في أراضٍ مغربية" لأول مرة في تقرير للكونجرس الأمريكي، وهو ما يعد تحولا في الموقف الرسمي لواشنطن.
وأوضح أن العامل الأكثر إثارة للجدل في هذه الأزمة يتمثل في الموقف الإسباني الرافض للحرب على إيران، والذي أثار حفيظة واشنطن وتل أبيب بشكل غير مسبوق، ففي مارس 2026، ومع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز موقفاً حازما اختصر في عبارة: "لا للحرب"، وجاء في بيان رسمي صادر عن الحكومة الإسبانية أن موقف مدريد قائم على ثلاثة مبادئ: رفض انتهاك القانون الدولي، ورفض حل المشكلات عبر الصراع والقنابل، ورفض تكرار أخطاء الماضي.
وأكد أنه لم يقتصر الموقف الإسباني على البيانات الرسمية، بل تجاوزه إلى إجراءات عملية أثارت غضب الإدارة الأمريكية، حيث رفضت مدريد السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية المشتركة على الأراضي الإسبانية لشن هجمات على إيران، وردا على ذلك، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"قطع كل التجارة" مع إسبانيا، قبل أن يتراجع عن تهديده بعد ساعات قليلة، ورغم ذلك، أصر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على موقف بلاده قائلاً: "موقف الحكومة الإسبانية من الحرب في الشرق الأوسط والقصف على إيران واستخدام قواعدنا لم يتغير قيد أنملة".
وقال عمر: إن هذا التصعيد الإسباني لم يمر دون رد فعل من الداخل، حيث اتهمت زعيمة المعارضة في مدريد إيزابيل دياز أيوسو الحكومة بأنها تترك الحدود الإسبانية مكشوفة، محذرة من أن "التالي هما سبتة ومليلية"، ورد حزب العمال الاشتراكي في سبتة على هذه الاتهامات معتبرا إياها أداة للصراع السياسي وإنذارا لا مبرر له يضر بسمعة المدينتين واستقرار إسبانيا.
ومن الجانب الآخر، استغلت الأوساط المقربة من إسرائيل وواشنطن هذه التوترات للترويج لفكرة "إنهاء الاستعمار الإسباني" في شمال أفريقيا، حيث طالب محللون مثل مايكل روبين، المسؤول السابق في البنتاغون، المغرب بتنظيم "مسيرة خضراء" نحو سبتة ومليلية تشبه مسيرة 1975 التي أنهت الوجود الإسباني في الصحراء الغربية، ولم يكتفِ هؤلاء بالتحريض السياسي، بل ذهبوا إلى حد الدعوة لـ"طرد المستعمرين" الإسبان من المدينتين، في إشارة إلى ما وصفه بعض المراقبين بـ"التطهير العرقي" المحتمل.
وأشار المحلل، إلى أن المأزق الذي تعاني منه الإدارة الأمريكية في حربها ضد إيران، وعجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة، قد دفعها إلى فتح جبهات جديدة لتشتيت الانتباه عن فشلها الذريع. فقد كشفت "واشنطن بوست" أن إدارة ترامب تدرس تنفيذ ضربات عسكرية في مالي ضد "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة، وسط تصعيد أمني غير مسبوق تشهده البلاد، لتكون مالي الدولة الثامنة التي تستهدفها واشنطن عسكرياً منذ بداية ولاية ترامب الثانية، فيما امتنع البيت الأبيض عن التأكيد أو النفي.
وأكد أنه لا يمكن قراءة أزمة سبتة بمعزل عن سياقها الإقليمي والدولي الأوسع، حيث تحول ملف الهجرة إلى سلاح جيوسياسي بامتياز، تستخدمه واشنطن وتل أبيب للضغط على أوروبا وإشغالها عن قضايا الشرق الأوسط، مستفيدتين من تقارب مصالحهما مع المغرب الذي وجد في هذا التنسيق فرصة للضغط على إسبانيا بشأن سيادته على سبتة ومليلية.
وغزز هذا الطرح بالنظر إلى أن إسبانيا لم تكتف بمعارضة الحرب، بل سبق أن منعت شحنات الأسلحة المتجهة إلى إسرائيل في 2024 و2025، قبل أن يمرر البرلمان الإسباني حظرا كاملا على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل في أكتوبر 2025، في المقابل، سمح المغرب بمرور تلك الشحنات عبر أراضيه، مما جعله شريكاً أكثر موثوقية في نظر واشنطن وتل أبيب.
وأوضح أن هذا التباين في المواقف قد يفسر لماذا اختار المغرب، في خضم هذه الأزمة، أن يخفف قبضته على حدوده مع سبتة، مفسحا المجال أمام موجات الهجرة المتتالية التي شكلت ورقة ضغط فعالة بيد الرباط، وفي المحصلة، هناك أسئلة جوهرية حول النهج الأمريكي الإسرائيلي في العالم، وعن جدوى الحروب التي تحاول تحويل الأنظار عنها، في وقت أصبح فيه ملف الهجرة رهينة صراعات جيوسياسية بامتياز. وهل ستتمكن أوروبا بالفعل من الوقوف مع إسبانيا في مواجهة الانتقام الأمريكي الإسرائيلي، أم أن سبتة ستكون مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الأزمات المفتعلة بأيادٍ اعتادت على أن تكون خفية لوقت طويل؟