مقالات وآراء

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - الساعة 05:12 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/صالح الجبواني


دعوني أقول كلاماً لن يعجب الشرعية في الرياض، ولا أفواج الكتائب الإعلامية من كتّاب وصحفيين وسياسيين ومؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا حتى الجمهور الذي ما زال متمسكاً بالأوهام التي تُسوَّق له كل يوم باسم المعركة والانتصار. لكن الأوطان لا تُحمى بمديح العاجزين، ولا تُنقذ المدن المحاصرة بخطاب تعبوي ينكر ما يجري على الأرض.

في الساحل الغربي، تحولت المعركة، حتى الآن، إلى معركة استنزاف مكلفة، تتصاعد فيها الخسائر، خصوصاً في صفوف قوات العمالقة، دون أن تقابلها نتائج ميدانية بحجم التضحيات. وأي معركة تتجاوز خسائرها ما تحققه من إنجازات، وتستهلك رجالها دون أفق واضح للحسم، تصبح مع الوقت حرب استنزاف عبثية، تفقد جدواها وقدرة الاستمرار فيها. وليس من الحكمة أن نواصل دفع الرجال إلى المحرقة لمجرد أننا لا نريد الاعتراف بأن المسار يحتاج إلى مراجعة جادة.

أما تعز، فالمأساة أشد قسوة. الحوثي يطبق الحصار عليها رويداً رويداً، ويضيّق الخناق على المدينة التي يقاتل أبناؤها ببسالة وشجاعة استثنائيتين. غير أن البطولة وحدها، مهما عظمت، لا تستطيع تعويض نقص السلاح والإمدادات، ولا كسر حصار أختلت فيه موازين القوة. وبالنظر إلى المعطيات القائمة، فإن إنقاذ تعز بات مهمة بالغة الصعوبة، تكاد تحتاج إلى معجزة إذا استمر التعامل معها بالوسائل ذاتها.
لقد انتهى، عملياً، الدور العسكري للقوات الشرعية في مديريات ريف تعز، ولم تعد قوات العمالقة ودرع الوطن، وفق المسار الذي نشهده، تبدو قادرة على إحداث الاختراق المطلوب لفك الحصار. وهذه حقيقة ميدانية ينبغي أن تُناقش بجدية، لا أن تُدفن تحت ركام البيانات والتصريحات. فالمشكلة ليست في شجاعة المدافعين عن تعز، وإنما في عجز القيادة عن توفير ما تتطلبه المعركة.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح الدعم السعودي ملحّاً وحاسماً، من خلال إمداد المدينة بالسلاح والغذاء والأموال جوًّاً ، على غرار ما فعله الأمريكيون وحلفاؤهم لإنقاذ برلين الغربية حين فرض السوفييت حصارهم عليها بين 24 يونيو 1948 و12 مايو 1949، إذ استمر الجسر الجوي في تزويدها باحتياجاتها حتى صمدت المدينة إلى أن جرى التوصل إلى حل سياسي.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة الإدارة السعودية لهذه الحرب. لقد علمتنا التجربة أن التحرك السعودي كثيراً ما يأتي في صورة «فزعات» متأخرة، لا ضمن تخطيط عسكري وسياسي متكامل، تحكمه أهداف واضحة، وقيادة منضبطة، وآليات للمحاسبة والتقييم.

إن تعز لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الأوهام، ولا إلى جوقة جديدة تشرح للناس لماذا ينبغي لهم أن يثقوا بما لا يرونه على الأرض. إنها تحتاج إلى إنقاذ حقيقي، وإلى إمدادات تصل، وقيادة تتحمل مسؤوليتها، وقرار يتجاوز ردود الأفعال المرتجلة.

فالمدن لا تسقط دائما لأن لتقصير المدافعين عنها ، بل قد تسقط لأن من تعهّدوا بإنقاذها لم يفعلوا ما يكفي لإنقاذها. وتكمن المأساة اللعينة في أن من يعلن الحرب لتحرير صنعاء، بينما تعز تختنق تحت الحصار وقد تسقط في أي لحظة، لا يعاني خللاً في ترتيب الأولويات فحسب، بل يعيش اغتراباً كاملًا عن الواقع؛ ذلك أن المسافة بين الوهم والحقيقة تتسع كلما ابتعد صاحب القرار عن الأرض التي يقرر مصيرها. ولعل أقسى ما في القيادة من وراء أبواب الفنادق أنها تمنح صاحبها ترف إعلان الانتصارات، وتعفيه من رؤية الهزائم والإنكسارات في عيون الذين يدفعون ثمن أوهامه.

#صالح_الجبواني