الوطن العدنية/كتب_هاني المحثوثي
اهل حضرموت بطبيعتهم المحبة للسلام لا يلوحون بالسكاكين ولا يفاخرون بالبندقية بل يتقنون فن الكلمة تلك التي تقال ببرود ظاهري لكنها تترك اثرا عميقا في الروح ولهذا اخطأ كثير من الغوغاء حين ظنوا ان فرض الامر الواقع على الحضارم مسالة وقت وقوة ولم يدركوا ان لهذه الارض مناعة اخلاقية وان لاهلها نفسا طويلا لكن صبرهم اذا تكلم اربك الطغيان.
حين خرج تنظيم القاعدة من ساحل حضرموت لم تودعه المدافع ولم تشيعه المتاريس بل شيعته الحرب النفسية التي مارسها المجتمع الحضرمي بذكاء هادئ هرب التنظيم لا لانه هزم عسكريا بل لانه لم يحتمل ثقل الكلمة، الكلمة التي تقال كل يوم كقطرة ثابتة تنخر صخر الوهم دون ضجيج.
اذكر يوما في فترة سيطرة التنظيم على المكلا كنا في باص اجرة وصعد اثنان من انصاره من ابناء محافظة شمالية مدججين بالسلاح متخمين بوهم القوة ساد صمت ثقيل قطعه شايب حضرمي يجلس بهدوء يشبه هيبة البحر قبل المد التفت اليهما وقال بلطف ساخر
"بقولك يا ولدي عادكم مطولين عندنا"
لم تكن العبارة تهديدا لكنها كانت مرآة رأى الشابان فيها هشاشتهما وغربتهما عن المكان نزلا سريعا من الباص وفي عيونهما خليط من الضيق والحزن كمن ادرك فجاة انه غير مرغوب فيه لا لضعفه بل لانه غريب عن الارض.
ومثلها حكاية العم عوض لعنة حين كان نظام عفاش في ذروة جبروته دعاه قائد لواء الى عزومة وبعد الغداء ساله بتفاخر
ما رايك في الوحدة اليمنية
ابتسم عوض ومسح فمه وقال ببساطة قاتلة
"الوحدة زينة لكنها طولت"
ضحكة قصيرة وجملة اطول من عمر السؤال هكذا يقال الكثير دون خطب ويهزم الجبروت دون ضجيج
هكذا هم الحضارم سلاحهم الكلمة ودرعهم الصبر وميدانهم المعنى قد يطول الزمن وقد تتغير الوجوه لكن حضرموت لا تتعايش الا مع من فهم طبيعتها ارض تحب السلام لكنها لا تستباح وتفتح ذراعيها للتاخي لكنها لا تمنح قلبها لمن يجهل لغتها لغة لا تكتب بالرصاص بل تنقش في الذاكرة.. وتبقى.