مقالات وآراء

الإثنين - 26 يناير 2026 - الساعة 10:56 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب/منذر الشيباني

يقف اليمن اليوم عند مفترق طرق تاريخي بالغ الحساسية، حيث تتشابك قضايا الوحدة الوطنية، والعدالة الغائبة، والمصير السياسي للدولة في ظل صراع طويل أنهك الإنسان والأرض. فبعد أكثر من عقد من الاضطرابات، وحرب مفتوحة منذ عام 2015، لم يعد السؤال المطروح هو متى تنتهي الحرب؟ بقدر ما أصبح: أي يمن سيخرج من تحت الركام؟ وحدة تتآكل أم صيغة جديدة للدولة؟ لطالما شكّلت الوحدة اليمنية، المعلنة عام 1990، حجر الأساس في الخطاب السياسي الرسمي، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى ملف خلافي، خصوصًا في ظل شعور قطاعات واسعة في الجنوب بالتهميش السياسي والاقتصادي. ومع تصاعد الدعوات الانفصالية، لم تعد الوحدة مسألة عاطفية أو شعاراتية، بل قضية سياسية تتطلب إعادة تعريف. إن الحفاظ على وحدة اليمن لم يعد ممكنًا عبر المركزية المفرطة أو الإقصاء، بل من خلال عقد اجتماعي جديد يعترف بالتعدد، ويضمن شراكة حقيقية في السلطة والثروة، سواء عبر دولة اتحادية عادلة أو أي صيغة يتوافق عليها اليمنيون دون إملاءات خارجية. العدالة الغائبة… جرح مفتوح لا يمكن الحديث عن مستقبل مستقر لليمن دون التوقف عند ملف العدالة، الذي ظل لعقود مؤجلًا أو مُسيّسًا. فمن ضحايا الحروب المتعاقبة، إلى ملفات الانتهاكات، والفساد، والإفلات من العقاب، تتراكم المظالم لتشكل قنبلة موقوتة تهدد أي سلام هش. العدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا للمصالحة الوطنية. وهي عدالة لا تعني الانتقام، بل الاعتراف بالحقيقة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. من دون ذلك، ستظل الكراهية كامنة، قابلة للانفجار عند أول أزمة. المصير السياسي… بين الداخل والخارج يواجه اليمن تحديًا معقدًا يتمثل في تداخل العوامل الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية. فالصراع لم يعد يمنيًا خالصًا، بل أصبح ساحة لتصفية حسابات سياسية وأمنية، ما جعل القرار الوطني مرتهنًا في كثير من الأحيان لقوى خارجية. غير أن المصير الحقيقي لليمن لا يمكن أن يُصاغ إلا بأيدي اليمنيين أنفسهم. فالتجارب أثبتت أن الحلول المفروضة من الخارج، مهما بدت واقعية على الورق، تفشل على الأرض إذا لم تنبع من إرادة داخلية جامعة، تعلي مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة. الإنسان اليمني… الخاسر الأكبر وسط كل هذه التعقيدات، يبقى المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر. فالأزمة الإنسانية، التي تُعد من الأسوأ عالميًا، انعكست في انهيار الخدمات، وانتشار الفقر، وتراجع التعليم والصحة، وضياع جيل كامل بين الحرب والنزوح. إن أي حديث عن المستقبل يجب أن ينطلق من أولوية الإنسان: كرامته، وأمنه، وحقه في الحياة. فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالاستثمار في الإنسان، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة. خاتمة: خيار التاريخ اليمن اليوم أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في دوامة الصراع والانقسام، أو الشروع في مسار شجاع يعيد تعريف الدولة على أسس العدالة، والمواطنة المتساوية، والشراكة الوطنية. قد يكون الطريق طويلًا وشاقًا، لكن البديل هو مستقبل أكثر قتامة. وعند هذا المفترق، لن يرحم التاريخ من أضاع الفرصة مرة أخرى.

#منذر_الشيباني