مقالات وآراء

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 10:54 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب_عبدالله مسعود العلهي

من المتعارف عليه في أروقة السياسة الكبرى ثمة فارق جوهري بين القوة الغاشمة التي تفرض التبعية وبين الحكمة الواثقة التي تصنع الشراكة،والمملكة العربية السعودية طوال تاريخها لم تنظر إلى محيطها العربي بعين الجلاد بل بقلب الشقيق الأكبر الذي يدرك أن استقرار الجار هو جزء لا يتجزأ من أمن الدار,هكذا هي الرياض تاريخ من دبلوماسية الاحتواء التي تفضل لم الشمل على بعثرة الأوراق وتؤثر لغة العقل على صليل السيوف حتى حين تشتد العواصف وتختلط المسارات



منذ انطلاق عاصفة الحزم في 2015 وحتى اللحظة الراهنة تعاملت المملكة مع الملف الجنوبي بنوع من الصبر الاستراتيجي, وبعقيدة الشقيقة.. لا نهج العدو, الذي يغيب عن فهم الكثيرين فالمملكة لم تذهب لفرض واقع بقوة السلاح بل ذهبت لتمكين الناس من استعادة دولتهم وحقوقهم وحين كانت التوترات تبلغ ذروتها بين القوى الجنوبية والتحالف كانت الرياض هي صمام الأمان الذي يمنع الانفجار الكبير, المملكة تؤمن يقينا أن الجنوبيين ليسوا مجرد أدوات في معركة بل هم شركاء في مصير وتاريخ ومن هنا نبع شعار الجمع وتوحيد الكل للجلوس على طاولة واحدة ليكون الحوار هو المبتدأ والمنتهى

لقد شهدنا في فترات التوتر في حضرموت والمهرة كيف تدار الأزمات بعقلية الحليف والشقيق لا الخصم والعدو فعلى الرغم من انكشاف التشكيلات العسكرية في مسرح العمليات ووقوعها ضمن مرمى الأهداف السهلة إلا أن المملكة انتهجت تكتيكا فريدا وهو :تكتيك التوجيه والتحييد:فبدلا من لغة الدم كانت ضربات الطيران متزنة ورسائلية تهدف لرسم خارطة طريق للانسحاب وحفظ الأنفس لا إزهاقها...إنها حكمة الخبرة الذي لا تريد كسر إرادة حليف بل تصويب مساره ليبقى الجميع في خندق واحد ضد المشروع الدخيل



لم يكن إيفاد معالي المستشار اللواء الركن فلاح الشهراني إلى عدن مجرد إجراء بروتوكولي بل كان توجه حقيقي ببدء مرحلة الجراحة التنموية والاحتواء الشامل فالرجل الذي يعد من أمهر مهندسي استراجيات الاحتواء السعودي, ترجم فور وصوله لغة المملكة ورؤيتها التي لا تحقد ولا تعاقب وبدلا من سياسة الاعتقالات أو الإقصاء رأينا الشهراني يفتح ذراعيه للجميع بلا استثناء, فكان البدء الفوري بانتشال قطاع الكهرباء أولى الخطوات ومن حالة الموت السريري إلى تأمين الوقود والحلول المستدامة

حتى الطابع المدني ابتداء بالعمل على إخراج الثكنات العسكرية من قلب المدن لإعادة عدن إلى وجهها المدني المشرق,
والأمان الوظيفي مثل تأمين رواتب الموظفين بما في ذلك المحسوبين على القوى التي اختلفت معها الرياض يوما لإيمانها بأن لقمة عيش المواطن فوق كل صراع

لغة العقل هي أبرز ما يميز تعامل المملكة فلم يتم طرد كادر أو ملاحقة ناشط بل كانت التوجيهات هي احتواء الجميع تحت مظلة الدولة والعمل بروح الفريق الواحد

عندما يتوسع المتابع لتاريخ المملكة في الاحتواء, يبتدي من الطائف إلى الخرطوم,
هذه السياسة السعودية ليست وليدة الصدفة بل هي منهج ضارب في الجذور ولنا في اتفاق الطائف بلبنان خير مثال, حيث استطاعت الرياض جمع الفرقاء فوق ركام الحرب الأهلية وصياغة واقع جديد حقن دماء اللبنانيين لعقود وكذلك فعلت في السودان والصومال وفي كل أزمة عربية كانت الرياض هي بيت العرب الذي تنتهي عنده الخصومات وتذوب فيه الخلافات, لم تكن الرياض يوما طرفا في تأجيج الصراعات بل كانت دوما هي الطرف الذي يضع الضماد على الجرح ويصنع السلام

وما حوار الرياض إلا سفينة النجاة الجنوبية, التي يجب على الجميع التقاطها اليوم فالمملكة حطت بثقلها السياسي والاقتصادي لدعم مؤتمر حوار جنوبي جنوبي في الرياض وهو المؤتمر الذي يمثل الفرصة الذهبية التي لا تتكرر

سيكون غطاء دولي وإقليمي لأي تحرك تحت المظلة السعودية, يعني ذلك الاعتراف والشرعية أمام المجتمع الدولي وتحويل المطالب إلى واقع معترف به

هو حوار بلا سقف, بهذه اللغة جاء التأكيد السعودي على لسان وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان فلا خطوط حمراء وسيمنح الجنوبيين فرصة صياغة مشروعهم بوعي ومسؤولية بعيدا عن الوصاية

يقال في علم الاجتماع السياسي أنه ليس هناك خسائر عظيمة عند الجلوس على طاولة واحدة والعوائد دسمة, أهمها دعم المملكة للمخرجات وذلك يعني تحول الأحلام السياسية إلى واقع تنموي مدعوم بمليارات الدولارات واستقرار أمني مستدام
إن التوجه السعودي الحالي هو سفينة النجاة الوحيدة والمتاحة وسط هذه الأمواج المتلاطمة فالتاريخ لا يرحم من يفرط في لحظات الصفاء السياسي وعلى القوى الجنوبية بمختلف ألوانها أن تلتقط هذه اللحظة التاريخية وتلتف حول رعاية المملكة التي أثبتت الأيام أنها الحليف الصادق والحكيم الذي لا يترك صديقه في منتصف الطريق, إن إنجاح حوار الرياض هو الضمانة الحقيقية لعدم العودة إلى مستنقع التيه والشتات والبدء في بناء وطن يتسع للجميع لذا وجب الانخراط الكامل في هذا المنعطف الوطني التاريخي بكل شجاعة