الوطن العدنية/كتب_اللواء دكتور ناصر الفضلي
أبين ليست هامشًا… بل الدولة التي يُخشى حضورها
ليست المشكلة أن أبين غائبة عن المشهد.
المشكلة أن هناك من يريدها غائبة.
ما يحدث ليس سوء تقدير، ولا خلل صدفة، ولا نقص أسماء. ما يجري قرار سياسي غير معلن، عنوانه الواضح: إبعاد أبين عن مراكز التأثير. ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها قوية بالمعنى الذي لا يُشترى… قوية برجال دولة، لا برجال صفقات.
في هذه المعادلة المختلة، من يصرخ يُكافأ، ومن يهدد يُرضى، ومن يربك الدولة يُمنح موقعًا حتى يسكت. أما من حمل الدولة على كتفيه حين سقطت، فيُطلب منه الانتظار… ثم الانتظار… ثم الاختفاء بهدوء.
أبين ليست محافظة تبحث عن تمثيل بروتوكولي. أبين هي الجغرافيا التي لم تسقط حين سقطت الجبهات. هي الأرض التي بقيت مع الشرعية عندما كانت كلمة “الشرعية” نفسها عبئًا سياسيًا على كثيرين. هي من قاتلت دفاعًا عن فكرة الدولة، لا عن حصة في الدولة. واليوم تُعاقَب لأنها لم تساوم.
المفارقة الصادمة أن القوى التي أربكت المشهد، وعطّلت المؤسسات، وفرضت نفسها بالقوة أو الضجيج، أصبحت “حقائق سياسية” يجب مراعاتها. أما أبين، التي لم تستخدم السلاح في وجه الدولة، ولم تبتز القرار، ولم تحوّل مواقفها إلى أوراق ضغط، فصارت خارج الحساب.
الرسالة الخطيرة التي تُبث اليوم دون إعلان تقول:
كن عبئًا ليُحسب لك حساب، وكن وفيًا ليُتجاوزك الجميع.
وهنا يتحول التهميش من خطأ إلى سياسة. لأن تمكين أبين لا يعني إضافة محافظة إلى قائمة التمثيل، بل يعني إدخال عقل دولة إلى غرفة يغلب عليها منطق الغنائم. وهذا ما لا يريده كثيرون. فالدولة الحقيقية تزعج من اعتادوا إدارة السلطة كحصص لا كمسؤولية.
إقصاء أبين ليس تفصيلًا إداريًا، بل خلل في فلسفة الحكم نفسها. لأنه يكشف أن معيار المشاركة لم يعد التضحية، ولا الكفاءة، ولا الموقف الوطني، بل القدرة على الإزعاج. وهذا أخطر ما يمكن أن يُبنى عليه نظام سياسي.
الدولة التي تكافئ من أربكها وتعاقب من حماها، لا تُنتج استقرارًا… بل تُراكم أسباب الانهيار بصمت. لأنها تقول لأبنائها: الوفاء لا مستقبل له، والانضباط لا مكان له، والدولة ليست فكرة تستحق الدفاع بل ساحة صراع يستحقها الأعلى صوتًا.
أبين اليوم لا تُطالب بامتياز، بل بعدالة. لا تبحث عن منّة، بل عن اعتراف. لا تريد أن تكون “خزان رجال” عند الحرب و”تفصيلًا منسيًا” عند السلم.
لأن الحقيقة التي يحاول البعض تجاوزها بسيطة وقاسية في آنٍ واحد:
أبين ليست مشكلة في معادلة الدولة… بل غيابها هو المشكلة.
وأي دولة تخاف من حضور من أنقذها يوم كانت على وشك السقوط، هي دولة لا تزال تخاف من نفسها.