علوم وتقنية

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 07:09 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية /متابعات

هيمنت هوليوود لعقود طويلة على صناعة الترفيه العالمية، حيث كانت الأفلام والمسلسلات التلفزيونية المصدر الأساسي للمحتوى الذي يشاهده الجمهور حول العالم، لكن هذا المشهد بدأ يتغير بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، مع تحول عادات المشاهدة تدريجيًا من شاشات التلفزيون التقليدية إلى الهواتف الذكية والمنصات الرقمية.

وفي قلب هذا التحول تقف منصة يوتيوب التابعة لشركة جوجل، التي أصبحت تمثل اليوم منافسًا قويًا لشركات الإنتاج الإعلامي التقليدية. بل إن المنصة الرقمية باتت تحقق إيرادات إعلانية تتجاوز ما تحققه مجموعة من أكبر شركات الإعلام والترفيه مجتمعة، في مؤشر واضح على التحول العميق الذي يشهده قطاع المحتوى العالمي.

يوتيوب يتجاوز عائدات عمالقة الإعلام
وفقًا لأحدث التقديرات الصادرة عن شركة الأبحاث الإعلامية MoffettNathanson، فقد حقق يوتيوب نحو 40.4 مليار دولار من عائدات الإعلانات خلال عام 2025، هذا الرقم يتجاوز إجمالي الإيرادات الإعلانية التي حققتها مجموعة من أكبر شركات الإعلام التقليدية مجتمعة، وهي ديزني وNBCUniversal وباراماونت ووارنر براذرز ديسكفري، والتي بلغت معًا حوالي 37.8 مليار دولار.

ورغم أن نمو يوتيوب كان مستمرًا خلال السنوات الماضية، فإن التقرير يشير إلى أن العام الأخير شهد قفزة ملحوظة في الإيرادات الإعلانية، ما مكّن المنصة من تجاوز هذه الشركات الإعلامية العملاقة لأول مرة بهذا الشكل الواضح.

تفوق في نسب المشاهدة أيضًا
لا يقتصر تفوق يوتيوب على الإيرادات المالية فقط، بل يمتد كذلك إلى حجم المشاهدة، فوفقًا لبيانات شركة القياس الإعلامي Nielsen، استحوذ يوتيوب على نحو 12.5% من إجمالي مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة خلال يناير الماضي، وهذا الرقم يتجاوز نسبة المشاهدة المجمعة لخدمات البث التابعة لشركات ديزني وNBCUniversal وباراماونت ووارنر براذرز ديسكفري.
ويأتي بعد يوتيوب في قائمة المنصات الأكثر مشاهدة Netflix، التي تُعد الرائدة بين منصات البث التدفقي، لكنها ما زالت أقل من يوتيوب من حيث الحصة الإجمالية من مشاهدة التلفزيون.

قاعدة مستخدمين ضخمة عالميًا
تمتلك منصة يوتيوب أيضًا قاعدة مستخدمين هائلة حول العالم، وهو ما يعزز من قدرتها على جذب المعلنين وتحقيق إيرادات ضخمة، ففي الهند على سبيل المثال، تشير التقارير إلى أن عدد المستخدمين النشطين على يوتيوب يتراوح بين 491 مليون و500 مليون مستخدم مع بداية عام 2026، ما يجعلها واحدة من أكبر الأسواق بالنسبة للشركة.

سر تفوق يوتيوب على شركات الإنتاج
أحد أهم العوامل التي تقف خلف النمو الكبير في عائدات يوتيوب الإعلانية هو نموذج الأعمال القائم على صناع المحتوى، فعلى عكس شركات الإعلام التقليدية التي تنتج المحتوى بنفسها وتتحمل تكاليف الإنتاج والتوزيع، تعتمد يوتيوب بشكل كبير على المبدعين المستقلين الذين يقومون برفع مقاطع الفيديو على المنصة، وخلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد جائحة كورونا، شهد العالم زيادة كبيرة في عدد صناع المحتوى عبر الإنترنت، وكان يوتيوب من أكبر المستفيدين من هذا التحول.

ولتطوير هذا النظام البيئي، تقوم جوجل بمشاركة نسبة كبيرة من عائدات الإعلانات مع صناع المحتوى، حيث يحصل المبدعون عادة على حوالي 55% من إيرادات الإعلانات التي تحققها مقاطع الفيديو القياسية، ويُسهم هذا النموذج في خلق منظومة ضخمة من المبدعين الذين ينتجون محتوى بشكل مستمر، ما يضمن تدفقًا دائمًا من الفيديوهات التي تجذب المشاهدين والمعلنين على حد سواء.

مصادر دخل أخرى إلى جانب الإعلانات
ورغم أن الإعلانات تمثل المصدر الأكبر للدخل، فإنها ليست المصدر الوحيد لإيرادات يوتيوب، فقد حققت المنصة ما يقرب من 22 مليار دولار من إيرادات الاشتراكات خلال عام 2025، وذلك من خلال خدمات متعددة تشمل YouTube TV وYouTube Premium و YouTube Music وباقة NFL Sunday Ticket، وتعكس هذه الأرقام نجاح الشركة في تنويع مصادر دخلها وعدم الاعتماد على الإعلانات فقط.

الذكاء الاصطناعي يسرّع التحول في صناعة المحتوى
ومن المتوقع أن يتسارع هذا التحول بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، فبحسب يوتيوب، تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي حاليًا صناع المحتوى على تبسيط سير العمل وإنتاج الفيديوهات بكفاءة أعلى، ما قد يؤدي إلى زيادة كمية المحتوى وعدد المشاهدات وبالتالي ارتفاع الإيرادات.

وكشفت الشركة أنه بحلول عام 2024 أصبح نحو 92% من صناع المحتوى يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما يعتمد 96% منهم على هذه الأدوات لدعم عملياتهم الإبداعية، ومع ظهور منصات متقدمة لتوليد الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي مثل Google Veo وOpenAI Sora وSeedance وKling، قد تصبح المنافسة أكثر صعوبة بالنسبة لشركات الإنتاج التقليدية.

فهذه الأدوات لا تساعد المبدعين على العمل بسرعة أكبر فحسب، بل تتيح أيضًا إنتاج محتوى عالي الجودة يشبه الإنتاج السينمائي بتكلفة أقل بكثير.

تحول ميزان القوة في صناعة الإعلام
في ظل هذه التحولات، يبدو أن ميزان القوة في صناعة الإعلام والترفيه العالمية يتغير تدريجيًا، فبعد أن كانت السيطرة في يد الاستوديوهات الضخمة وشركات الإنتاج الكبرى، أصبح صناع المحتوى الأفراد والمنصات الرقمية يمتلكون تأثيرًا متزايدًا في تشكيل مستقبل هذه الصناعة، ومع استمرار تطور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، قد نشهد خلال السنوات القادمة تحولًا أكبر في طريقة إنتاج واستهلاك المحتوى، حيث تتقدم المنصات الرقمية مثل يوتيوب لتصبح اللاعب الأبرز في عالم الترفيه.