الوطن العدنية/مقال لـ”محمد أحمد العولقي”
يبدو أن القدر قرر أن يمنحنا، نحن اليمانيين، "تذكرة مجانية" لمشاهدة الفصل الأخير من مسرحية "تفكيك المنطقة" من مقاعد الصف الأول. فبينما نحن غارقون في صراعاتنا البينية، نتقاتل على "تبّة" هنا أو "منفذ" هناك، والبلد ممزق كقميص يوسف، خرجت علينا "إسرائيل" لتضع لمستها الأخيرة على المشهد، وتبني لها "ديواناً" فخماً في "أرض الصومال".. جهاراً نهاراً، وعلى مرأى ومسمع من العرب والعجم!
يا جماعة الخير.. الحكاية ليست "مواجهة الحوثيين" كما يطبل الإعلام العبري؛ فالحوثي بالنسبة لإسرائيل ليس إلا "شماعة" ذهبية، وُجدت في الوقت الضائع لتبرر وجود "الكيباه" فوق رؤوس جبال بربرة!
دعونا نتحدث بلسان فصيح: إسرائيل لا تخشى "صرخات" الصواريخ التي تخطئ أهدافها أكثر مما تصيب، لكنها "انتهازية" بالفطرة. وجدت في اليمن "ثقباً أسود" من الفوضى، وفي "أرض الصومال" رغبة جامحة في الاعتراف السياسي، فقررت أن تلعب دور "الخاطبة" التي تجمع بين الطموح الأفريقي والغرور الصهيوني. والنتيجة؟ قاعدة عسكرية ورادارات تجعل من البحر الأحمر "بحيرة طبريا" جديدة، حيث لا يتحرك "صنبور" صيد يمني إلا وهو تحت مجهر "الموساد".
المضحك المبكي في هذه المعمعة، أننا أصبحنا كـ "الأيتام في مأدبة اللئام". الحوثي من جهة، يقدم لإسرائيل "الذريعة" على طبق من فضة؛ فكلما أطلق "مفرقعة" في البحر، صفقت تل أبيب وقالت للعالم: "أرأيتم؟ أحتاج لقاعدة في الصومال لأحمي نفسي!". هكذا ببساطة، تحول العبث العسكري في سواحلنا إلى "جسر عبور" للصهاينة لكي يضعوا أقدامهم في عمقنا الاستراتيجي. لا الحوثي كسر شوكة إسرائيل بضجيجه، ولا إسرائيل كانت لتحلم بهذا التمدد لولا هذه الفوضى العارمة التي نعيشها.
اليمن اليوم لم يعد "سعيداً" ولا حتى "تعيساً"، بل أصبح "مكشوفاً". وجود قاعدة إسرائيلية في بربرة يعني أن المسافة بين "القرار" في تل أبيب و"الهدف" في اليمن صارت أقصر من المسافة بين صنعاء وعدن في يوم غائم! لم نعد بحاجة لانتظار الطائرات لتقطع آلاف الكيلومترات؛ الرادار في "بربرة" يغمز، والمسيرة في السماء تنفذ، ونحن لا نزال نتنازع في "مجموعات الواتساب" حول شرعية هذا أو ذاك. لقد صرنا "هدفاً سهلاً" في تمرين رماية إسرائيلي مريح.
أما عن "الأشقاء" العرب.. فيا ليل ما أطولك! أين "الأمن القومي العربي"؟ أين "البحر الأحمر بحيرة عربية"؟ يبدو أن هذه الشعارات ذهبت مع الريح، أو تبخرت كما يتبخر دخان "المداعة" في مجالس السياسيين. أن تُبنى قاعدة إسرائيلية عند مدخل "باب المندب" هي إهانة جغرافية وتاريخية لكل عاصمة عربية من القاهرة إلى الرياض. إسرائيل اليوم لم تعد خلف الحدود، بل أصبحت "جارة" تجلس معنا على الساحل ذاته، تشرب قهوة "القشر" اليمنية وتراقب راداراتها بدم بارد، بينما نحن لا نزال نلوك حديث "السيادة" التي ضاعت في زحام المصالح.
يا سادة.. الحقيقة المرة التي يجب أن تُقال: إسرائيل في "أرض الصومال" هي إعلان رسمي عن "موت الجغرافيا القديمة". هي تقول لنا بوضوح: "بما أنكم عجزتم عن إدارة بحركم، سأديره أنا". وما الحوثي إلا "كومبارس" في هذه اللعبة، يُمنح دور "البعبع" لكي يبرر وجود "البطل" الصهيوني المنقذ.
لقد هرمنا ونحن نسمع عن "تحرير فلسطين" من بعيد، فإذا بنا نرى فلسطين (بنسختها العسكرية) هي التي تنتقل إلينا، لتسكن في الضفة المقابلة، وتراقبنا ونحن نغرق في تفاصيلنا الصغيرة، بينما الضياع الأكبر يلتهم الخارطة.
الخلاصة: قاعدة بربرة ليست ضد فصيل بعينه، بل هي ضد "الكل". هي "كماشة" استراتيجية تُطبق على عنق التجارة العربية، و"عين" وقحة تتلصص على أمننا القومي. فهل سنظل نلعن "الظلام" الحوثي، أم سننتبه للرادار الإسرائيلي الذي بدأ يضيء ليلنا الكئيب؟
لقد سقط القناع، وظهر "الرادار".. فهل من مدرك لخطورة أن تصبح "بربرة" العاصمة الجديدة للقرار الأمني في بحرنا المسلوب؟