الوطن العدنية/المصدر اونلاين
مع حلول الذكرى لتحرير العاصمة المؤقتة عدن من كل عام، يحتفل أبناء المدينة بهذا اليوم فرحاً بذكرى ذلك الانتصار الذي خلّصهم من شبح مليشيا الحوثي، إلا أن كثيراً من البيوت العدنية ما تزال حتى اليوم تغلّفها مشاعر الحزن لفقدان رجالها الذين أسهموا في صناعة هذا النصر، قبل أن تغيبهم السجون السرية في مدينة عدن منذ سنوات.
في هذه المناسبة تعود إلى الواجهة قصص عدد من المقاومين الذين كان لهم دور بارز في معركة التحرير، لكنهم اختفوا لاحقاً في السجون السرية التي أُنشئت بعد تحرير المدينة، ومن بين تلك القصص المؤلمة، تبرز حكاية المقاوم محمد شيخ فضل هيثم السعيدي، الملقب بـ"أبو أسامة السعيدي"، الذي ما يزال مصيره مجهولاً منذ اختطافه قبل نحو خمس سنوات.
"أبو أسامة السعيدي" وهو أحد أبناء محافظة أبين، وكان يعيش في مديرية البريقة غرب العاصمة المؤقتة عدن، كان يُعرف كأحد الشخصيات السلفية البارزة في مدينة الشعب، ويحظى بحضور اجتماعي وديني بين أبناء المنطقة، قبل أن يبرز اسمه خلال سنوات الحرب قائداً في صفوف المقاومة الشعبية.
ومع اجتياح الحوثيين لعدن عام 2015، برز السعيدي كأحد قادة المقاومة الشعبية في مدينة الشعب، حيث قاد قرابة 400 مقاتل من عناصر المقاومة الشعبية في تلك المرحلة لمواجهة الحوثيين، وأسهم مع رفاقه في صد الهجمات والمشاركة في المعارك التي انتهت بتحرير المدينة.
وعقب تحرير عدن، عاد السعيدي مع عناصره للمشاركة في تطبيع الأوضاع الأمنية وإعادة فتح المرافق العامة، وعمل على إعادة تشغيل قسم الشرطة في مدينة الشعب، وطلب من إدارته وأفراده استئناف عملهم تحت حمايته الشخصية، كما ساهم في إعادة فتح الكليات والمؤسسات التعليمية الواقعة في نطاق تلك المنطقة وتأمينها.
وفي إطار جهود تثبيت الأمن بعد الحرب، تم تعيين السعيدي قائداً لحماية المنشآت بقرار من مدير أمن عدن حينها شلال علي شايع، غير أن تلك المهمة لم تستمر طويلاً، إذ تشير مصادر مقربة إلى أنه تعرض لضغوط وصراعات انتهت بإقالته من منصبه.
يقول ناصر السعيدي، وهو شقيق المخفي قسراً "أبو أسامة السعيدي"، إن شقيقه، الذي كان حينها في الثانية والخمسين من عمره، تعرض في 26 مايو 2021 للاختطاف من أمام قاعة "أماسي" في منطقة "كابوتا"، أثناء عودته إلى منزله عقب مشاركته في تظاهرة احتجاجية أُقيمت في ساحة الشهداء بمديرية المنصورة، طالبت بتحسين الأوضاع الخدمية والمعيشية في عدن.
ويضيف السعيدي أن عملية الاختطاف نفذتها قوة عسكرية تابعة لقائد قوات العاصفة التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي حينها أوسان فضل العنشلي، وبأوامر من رئيس الدائرة الأمنية في المجلس الانتقالي الجنوبي حينها أحمد حسن المرهبي، حيث تم اقتياده إلى جهة مجهولة.
ويشير ناصر السعيدي إلى أنهم تواصلوا عقب الحادثة مع قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي، حيث أُبلغوا في البداية أن أبو أسامة "سيخضع للتحقيق وسيُطلق سراحه".
وأكد أنه تلقى حينها اعترافاً من رئيس الدائرة الأمنية في المجلس الانتقالي أحمد حسن المرهبي بأن شقيقه "أبو أسامة السعيدي" موجود لديهم في سجن قاعة وضاح، إلا أنه عاد لاحقاً وأنكر وجوده لديهم، مشيراً إلى أن أسرته لا تعلم منذ ذلك الحين شيئاً عن مكان وجوده ولا عن وضعه الصحي.
وتطرق ناصر إلى معاناة أسرة شقيقه، الذي كان يعيل سبعة من أبنائه، بينهم ثلاث إناث، مؤكداً أن مصادر دخل الأسرة توقفت بعد اختفائه، إذ كان يتقاضى راتباً تقاعدياً كموظف سابق في المحطة البخارية بعدن.
وأوضح أن شقيقه المختطف كان أيضا يتقاضى قبل اختطافه مخصصاً شهرياً من قطاع حماية المنشآت يبلغ 60 ألف ريال، إلا أنه توقف أيضاً بعد اختطافه، بحجة أن صرف هذه المخصصات يتطلب حضوره شخصياً أو وجود وكالة قانونية.
ويقول ناصر إن والده سعى منذ اختطاف شقيقه عام 2021 إلى البحث عن نجله وطرق جميع الأبواب، بما فيها أبواب الجهات الأمنية التابعة للحكومة الشرعية، وكذلك القيادات العسكرية والأمنية في المجلس الانتقالي والمقاومة الجنوبية، أملاً في معرفة مصير ابنه، إلا أنه لم يجد جواباً، لتنتهي رحلة البحث الطويلة التي أنهكته، ويفارق الحياة دون أن يعرف مصير نجله.
و تبقى حكاية القيادي "أبو أسامة السعيدي" وعشرات الرجال الذين صنعوا النصر في عدن وغيبتهم السجون السرية، جرحاً مفتوحاً لعائلاتهم وشاهداً على مصير غامض لرجال قاتلوا دفاعاً عن مدينتهم قبل أن يختفوا خلف جدران لا يُعرف أين تنتهي، ليبقى مصيرهم معلقاً في انتظار من يفتح هذا الملف وينهي هذه المعاناة.