منوعات

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 10:18 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/متابعات

تتنبأ عادةً القدرات المعرفية العالية لدى البالغين بدقة الحدس، لكن يحتاج هذا الاختصار الذهني إلى وقت ليتطور. تكشف دراسة جديدة شملت طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية أن الشباب يعتمدون بشكل كبير على التفكير البطيء والمتأني لحل الألغاز المنطقية قبل أن ينضج حدسهم الصحيح تماماً.
وبحسب البحث، الذي نُشر مؤخراً في دورية Thinking & Reasoning، يقسم علماء النفس التفكير البشري غالباً إلى نوعين متميزين بناءً على السرعة والجهد، أولهما هو فئة التفكير السريع والتلقائي ولا يتطلب سوى القليل من الطاقة الذهنية. أما النوع الثاني فهو فئة التفكير البطيء والمتأني ويتطلب تركيزاً مستمراً على التفاصيل.
ولعقود، افترض الباحثون أن حل لغز رياضي أو منطقي بنجاح يتطلب دائماً النوع الثاني من التفكير، وهو الأبطأ. ووفقاً لهذا المنظور التقليدي، غالباً ما تكون الافتراضات السريعة متحيزة أو خاطئة. وللوصول إلى استنتاج سليم رياضياً، يجب على الشخص كبح جماح حدسه الفوري وقضاء وقت في حساب الإجابة الصحيحة.
وتحدت دراسات حديثة حول التفكير المنطقي لدى البالغين هذا الافتراض. وتوصل العلماء إلى أن العديد من البالغين قادرون على تقديم إجابات صحيحة ومنطقية بشكل فوري تقريباً. فهم لا يحتاجون إلى التوقف والتفكير ملياً لحل مسائل الاحتمالات الأساسية.
تُربط هذه الظاهرة غالباً بالذكاء العام. فالبالغون الذين يحصلون على درجات عالية في اختبارات القدرات المعرفية يميلون إلى امتلاك حدس أولي دقيق. وقد دفع هذا التوافق بين الذكاء والدقة الفورية الباحثين إلى تسميتهم "أصحاب الحدس الذكي".


مهارات تفكير المراهقين
أراد فريق من باحثي علم النفس معرفة متى تتطور هذه القدرة على الحدس الدقيق.
صممت الباحثة الرئيسية لورا شاربيت وزملاؤها في "جامعة باريس سيتي" بفرنسا تجربة لاختبار مهارات التفكير خلال فترة المراهقة. أرادوا معرفة ما إذا كان طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية يُظهرون بالفعل سمات النضج الموجودة لدى البالغين.
استقطب فريق الباحثين أكثر من 300 طالب من المدارس الثانوية الفرنسية. كان نصف المشاركين تقريباً من طلاب الصف السابع، بمتوسط عمر 12 عاماً تقريباً. أما النصف الآخر فكان من طلاب الصف الثاني عشر الذين يقتربون من نهاية تعليمهم الثانوي، بمتوسط عمر 17 عاماً تقريباً.


ألغاز الاحتمالات
ولقياس طريقة تفكير الطلاب، قدم الباحثون لهم سلسلة من ألغاز الاحتمالات. صُممت هذه الألغاز لخلق تناقض بين حقيقة إحصائية وصورة نمطية جذابة. على سبيل المثال، قرأ المشاركون عن دراسة شملت 995 محاسباً وخمسة مهرجين.
ثم طُلب من الطلاب تخمين مهنة شخص تم اختياره عشوائياً من الدراسة، وأُطلق عليه اسم "الشخص ل". وصف السؤال "الشخص ل" بكلمة واحدة: "مضحك". بناءً على الصورة النمطية للمهرج، فإن الإجابة السريعة والجذابة هي افتراض أن "الشخص ل" مهرج.
لكن من الناحية الرياضية، فإن الاحتمالات ترجح بشدة إجابة مختلفة. نظراً لوجود 199 ضعف عدد المحاسبين مقارنةً بالمهرجين في المجموعة، فإن الشخص المختار عشوائياً يُرجح بشدة أن يكون محاسباً، حتى لو كان يتمتع بروح دعابة جيدة.
في الجزء الأول من التجربة، كان على الطلاب الإجابة في غضون ثلاث ثواني أو أقل.
وبعد تقديم إجابتهم السريعة، شاهد الطلاب اللغز مرة ثانية. وخلال هذه المرحلة الثانية، كان لديهم وقت غير محدود للتفكير، وكان بإمكانهم تغيير إجابتهم الأصلية إذا رغبوا في ذلك.


فخ النمطية
وعند النظر إلى النتائج، اكتشف الباحثون اختلافات واضحة بين المجموعتين العمريتين. فقد قدم المراهقون الأكبر سناً إجابات أكثر دقة من الناحية الرياضية من المراهقين الأصغر سناً خلال المرحلة السريعة والحدسية من الاختبار.
فتحت ضغط الوقت الشديد وتشتت الانتباه، كان الطلاب الأكبر سناً أكثر كفاءة في استخدام الأرقام الإحصائية بدلاً من الوقوع في فخ النمطية.
كما أن منح الطلاب وقتاً إضافياً للتفكير أدى إلى نتائج مختلفة بحسب أعمارهم.
أما طلاب الصف السابع فلم يواجهوا نفس المشكلة، حيث ظلت نتائجهم ثابتة نسبياً بين المرحلتين السريعة والبطيئة من التجربة. ولم يُسهم تخصيص وقت إضافي للتفكير في المسألة في توجيه الطلاب الأصغر سناً نحو الإجابة الصحيحة إحصائياً.
يُعدّ عدم تحسّن أداء الطلاب الأصغر سناً خلال المرحلة البطيئة مؤشراً بالغ الأهمية، إذ يُشير إلى أنهم لا يمتلكون بعدُ الاستراتيجيات الذهنية الأساسية اللازمة لتجاوز النمطية الشائعة. فحتى مع توفر وقت غير محدود للتفكير في الأرقام، يميل عقل المراهق تلقائياً إلى السرد الوصفي.

تحسن تدريجي
يشير باحثو الدراسة إلى أن هذه النتائج تدل على تحسن تدريجي في قواعد المنطق. فعندما يتعلم الأطفال الكسور والاحتمالات لأول مرة، يتطلب تطبيق هذه المفاهيم جهداً ذهنياً مكثفاً. ومع تقدمهم في المرحلتين الإعدادية والثانوية، يحصلون على آلاف الساعات من التدريب الأكاديمي.
ومع التعرض المطول، تصبح قواعد المنطق بديهية. وبحلول الصف الثاني عشر، يبدأ الطلاب في استيعاب هذه المفاهيم، مما يؤدي إلى تحسن طفيف في حدسهم. ومع ذلك، لا يزال هذا التحول مستمراً.
وخلص الباحثون إلى أن القدرة على توليد إجابة سريعة وعقلانية لا تظهر بين عشية وضحاها. يُظهر البحث أن الحكم السليم مهارة تتطور ببطء على مدى سنوات عديدة من التعليم والخبرة الحياتية.