مقالات وآراء

الأحد - 21 يونيو 2026 - الساعة 02:25 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/عبدالله الحرازي

انتهى مضيق هرمز، انتهى بقيمته الجيوسياسية العالية، وأصبح منطقة خطر عالمية عالية ودائمة التهديد، الآن وفي المستقبل القريب. والقوى الاقتصادية الدولية لن ترهن خُمس إمدادات الطاقة العالمية لمجموعة من المغامرين الراديكاليين بعمائمهم ونواياهم السوداء، بعد أن تلمس العالم مرارة التهاون مع سلوك طهران المزعزع للاستقرار على مدى نصف قرن.

هذا التحول الجذري يضع البحث عن بدائل على رأس أولويات الدول والشركات المرتبطة بالمضيق، إن لم تكن بعضها قد شرعت بالفعل، بل ونفذت، كالمملكة العربية السعودية التي كانت تعد لمثل هذا السيناريو منذ عقود عبر خط (شرق/ غرب)، الذي تحول من أداة للتحوط إلى صمام أمان استراتيجي، نقل المملكة من دائرة المتأثرين بالحصار إلى أحد أكبر المستفيدين استثمارياً، مستندة في ذلك إلى عمق رؤيتها الاستشرافية.

وفي هذا السياق، تُطرح اليوم بدائل متلاحقة تراهن في مجملها على الجغرافيا السورية كرئة طبيعية للاقتصاد العربي المنكفئ في زوايا الخليج تحت رحمة جار سوء وحليف مبتز. ويتجلى ذلك في مشاريع الربط السككي بين تركيا والسعودية عبر الأراضي السورية والأردنية لربط الخليج بأوروبا، فضلاً عن خطط لإحياء خط أنابيب النفط من كركوك إلى ميناء بنياس السوري، والتفكير الجدي في تمديد أنابيب الغاز القطري نحو المتوسط عبر ذات المسار، ومنه إلى شمال وغرب العالم.

هذه المشاريع تكشف السر الحقيقي وراء استماتة النظام الإيراني في التمسك بالعمق السوري ودعم نظامه الوحشي البائد، بل ولم تفقد الأمل في العودة حتى اللحظة؛ فالهدف ليس هيناً بالمطلق فهو خنق البديل، والسبق إلى أي متنفس للعرب نحو العالم بعيدً عن مصائد المضائق إن بلغت الأمور ما بلغته بداية هذا العام. فبعد إحكام سيطرة الحرس الثوري على مضيق هرمز كما رأينا، وعلى باب المندب عبر ذراع إيران في اليمن (جماعة الحوثي)، كانت الجغرافيا السورية واللبنانية على البحر الأبيض المتوسط بمثابة مسألة حياة أو موت للمشروع الإيراني لمنع العرب من استغلال مزاياهم التنافسية؛ والعجيب أنهم سبقوا إليها قبل أربعين عاماً، واستثمروا تلك العقود الأربعة في الجانب الآخر (اليمن) مع القوى الإمامية لإنشاء ذراعهم الأغبى فيه.

المفارقة المريرة هنا، أن خصوم العرب يتحركون ضدهم من منطلق إيمانهم المطلق بأن العرب أمة وكتلة واحدة لديها كل الممكنات، ويبنون خططهم وفق هذا المنظور، بينما يسقط العرب أنفسهم مفهوم "الواحدية الحتمية" من حساباتهم.

إن التطورات المتلاحقة منذ مطلع عام 2026 وضعت الممرات البحرية الأهم في عين العاصفة؛ فمضيق هرمز فقد أمانه المستدام، وباب المندب تحول -بفعل الجماعة الحوثية التي وظفتها طهران كخط دفاع أولي تحت لافتة أحداث غزة- إلى مسار عالي المخاطر طارد للفرص الاستثمارية وبالتبعية قناة السويس.

هذا التدهور الأمني يعيد صياغة المشهد الإقليمي؛ فمدن مثل دبي، باتت تواجه تحدي البقاء بعد ما منيت به من خسائر، ناهيك عن الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية بعد اهتزاز سحر الأمان الإقليمي وانهيار مرايا جنة الاستثمار.

كما أن اليمن، الذي كان مؤهلاً ليكون رئة الخليج والعرب على بحر العرب والمحيط الهندي ومنه لجنوب العالم على الأقل، بات مستبعداً من خارطة الاهتمام طالما استمرت السيطرة الحوثية على مفاصله، وضعف قيادته الشرعية.

وربما يتساءل القارئ هنا عن عُمان، وهو تساؤل محق تماماً، غير أن الإجابة عليه ستستدعي الخروج من السياق إلى شرح وضع الأذرع الإيرانية المستترة؛ وهذا موضوع آخر..

وفي المقابل، تبرز سوريا اليوم كـدرة التاج في خارطة البدائل الاستراتيجية، شريطة نجاحها في التملص من الفخاخ المحيطة بها، وفي مقدمتها الخطر الإسرائيلي والضغوط والمغريات المفخخة القادمة من "حلفاء إسرائيل العرب"، التي تحاول تجيير موقعها لمصالح ضيقة، لتكرر بصورة أو بأخرى ما حدث في اليمن من تعطيل وإخراج من الفاعلية.

ويظل الرهان الحقيقي للعرب، خاصة في الخليج، هو وصولهم إلى قناعة بأن العبور العربي نحو المستقبل يتطلب مغادرة عقلية المحاور الضيقة، والإدراك السريع بأن أمن الشام والعراق واليمن ليس ترفاً سياسياً للخليج، بل هو امتداد للأمن القومي والاقتصادي الخليجي، وتعزيز لقوة الأمة في المحصلة؛ فالخطوط البرية القادمة لن تحمل البضائع والنفط فحسب، بل النفوذ والسيادة في المنطقة أيضاً.