مقالات وآراء

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 08:03 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص



في كل أزمة كهرباء يتكرر المشهد نفسه: مواطن ينظر إلى تجربة دولة أخرى ويتساءل: لماذا لديهم خدمة مستقرة بينما نعاني نحن..!!

سؤال يبدو بسيطا لكنه يحمل خلفه قضية أكبر من مجرد مقارنة بين ساعات تشغيل وانقطاع؛ إنه سؤال عن طريقة بناء الدول لمنظوماتها وعن الفرق بين من يكتفي بإدارة الأزمة ومن يمتلك القدرة على صناعة الحل.

المقارنة بين الدول قد تكون مفيدة عندما تتحول إلى درس نتعلم منه، لكنها تصبح مضللة عندما تتجاهل اختلاف الظروف والإمكانات. فالكهرباء التي تصل إلى منزل المواطن ليست نتيجة قرار واحد، وإنما هي حصيلة سلسلة طويلة تبدأ بالاستقرار السياسي، وتمر بحجم الاقتصاد والاستثمارات، وتنتهي بكفاءة الإدارة والتخطيط.

هناك دول استطاعت بناء قطاع كهرباء قوي لأنها تعاملت مع الطاقة باعتبارها مشروعا وطنيا طويل الأمد، وليس مجرد خدمة يومية. فقد استثمرت في محطات التوليد، وطورت شبكات النقل والتوزيع، ووضعت خططا لمواجهة الزيادة المستمرة في الطلب، وتحملت كلفة الإصلاحات للوصول إلى منظومة أكثر استقرار.

لكن في المقابل، لا يمكن اختزال نجاح أي تجربة في عامل واحد فقط فالدول تختلف في مواردها، وحجم اقتصاداتها، ومستوى استقرارها، والتحديات التي تواجهها.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لديهم ونحن لا؟!!!
بل: ما الذي جعلهم ينجحون؟ وكيف يمكن الاستفادة من تجاربهم بما يتناسب مع واقعنا وإمكاناتنا؟!!

قطاع الكهرباء لا يحتاج إلى الشعارات أو المقارنات، بقدر مايحتاج إلى قرارات واضحة، واستثمارات مستمرة، وإدارة تعرف أولوياتها. فإضافة قدرات توليد جديدة أمر مهم، لكنه لا يكفي إذا لم ترافقه شبكات نقل وتوزيع قوية، وصيانة فعالة، وتقليل للفاقد، وإصلاح إداري يضمن استدامة الخدمة.

كل تجربة ناجحة في قطاع الطاقة بدأت من الاعتراف بالمشكلة، ثم وضع خطة واضحة لمعالجتها. فالدول التي حققت استقرار كهربائيا لم تصل إلى ذلك لأنها كانت أفضل من غيرها فقط، بل لأنها اتخذت قرارات صعبة، واستثمرت في البنية التحتية، ووضعت قطاع الكهرباء ضمن أولويات التنمية.

المطلوب ليس أن نقول إن الآخرين لديهم كهرباء ونحن لا، ولا أن نكتفي بانتقاد أي تجربة خارجية، وإنما أن نطرح السؤال الأهم: ماذا نحتاج حتى نبني قطاع كهرباء قادرا على تلبية احتياجات المواطنين؟!!

فالوقت الذي يُستهلك في تبرير المشكلة هو وقت نخسره من أجل صناعة الحل. والكهرباء لا تتحسن بالمقارنات، وإنما بالخطط، والإدارة الفاعلة، والاستثمار، والقرارات التي تنقل القطاع من مرحلة الأزمات المتكررة إلى مرحلة الاستقرار.

وفي النهاية، لا توجد دولة وُلدت وفيها كهرباء مستقرة، بل هناك دول بنت منظوماتها عندما قررت معالجة جذور المشكلة بدل الاكتفاء بشرح أسباب استمرارها.

فمن يملك رؤية للطاقة، يملك مفتاح التنمية.