الوطن العدنية/صدام أبو عاصم
نقدّر حرص السعودية على التهدئة، من أجل تفويت الفرصة على الحرس الثوري وأذرعه في اليمن والعراق لاختيار توقيت المعركة ومكانها. وندرك أنها لا تريد دخول الحرب، حتى لا يصبح الحوثيون على حدودها الجنوبية والحشد الشعبي على حدودها الشمالية جزءاً لاحقاً من أي تسوية إقليمية قد تؤثر في مستقبلها، تماماً كما حرصت طهران، ولا تزال، على أن يكون لبنان جزءً من ملف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
لكن الحقيقة، للأسف، تقول إنه لم يعد أمام الرياض، في تقديري، سوى خيار الحرب. ليس أمامها من فرصة سوى مساعدة الحكومة الشرعية اليمنية، أو لنقل منحها الإذن، لبدء المعركة الآن، من أجل القضاء على الحوثيين وهزيمتهم عسكرياً ونزع أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة. وبعد عودة الدولة الواحدة ومؤسساتها الرسمية الفاعلة، يمكن الحديث عن تسوية سياسية تجمع مختلف الأطياف، بمن فيها هذه الجماعة، إن تخلّصت من أفكارها الكهنوتية وطابعها الإيراني وعادت إلى يمنيّتها وإلى الصواب.
في هذه الحرب، التي قد تضطر السعودية إلى خوضها، ربما لن تحتاج الرياض إلى أكثر من الدفاع عن نفسها في مواجهة مسيّرات وصواريخ الميليشيات في العراق واليمن، وربما إيران أيضاً. ولدى السعودية الإمكانات الهائلة التي تمكّنها من ذلك، في حين سيكون عليها حشد الدعم السياسي والاستخباراتي، إقليمياً ودولياً، لمساندة الحكومة اليمنية في حربها ضد الميليشيا.
ذلك أن بدء معركة برية حقيقية، ذات هدف واحد وواضح في اليمن، سيشغل ميليشيا الحوثي بمواجهة قوات الحكومة الشرعية داخل البلاد. ولا تمتلك الجماعة الإمكانات التي تسمح لها بالمواجهة على كل الجبهات، مهما ادّعت أو حاولت الظهور بمظهر القوة العسكرية العظمى.
فمئات الصواريخ الباليستية وآلاف المسيّرات لن تدوم، ولن تجدي نفعاً أمام زحف عسكري من مختلف الجبهات. وللمرة الأولى منذ سنوات، بات لدى الحكومة الشرعية، وفقاً للمعطيات، جيش منظّم وتسليح نوعي ربما يفوق ما لدى الحوثيين. فضلاً عن أن مستوى منتسبي الجيش اليمني، على تنوّع تشكيلاته، يتفوّق على مستوى عشرات الآلاف من المقاتلين المراهقين في صفوف الميليشيا، الذين جرى حشدهم بالقوة ومن دون وعي أو تدريب. وما مقاطع الفيديو التي تُبثّ مؤخراً لأسرى من مقاتلي الجماعة في مأرب وتعز إلا دليل على أنها تسوق أطفالاً ومراهقين إلى المحرقة، من دون وعي أو ضمير.
وربما يكون التردّد السعودي ناجماً عن الحرص، وهو حرص تشاركها فيه قيادة الشرعية، في تقديري، على عدم إتاحة الفرصة لمزيد من الدمار وإراقة الدماء، بما قد يفتح باب المساءلة مستقبلاً. كما أن الشرعية والدولة مسؤولتان عن سلامة اليمنيين وأرواحهم في كل مكان، بمن فيهم المغرّر بهم داخل مناطق سيطرة الميليشيا.
غير أن استمرار هذا النهج في ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، كما جرت العادة، يُفهم خطأً من جانب الحوثيين، الذين ينظرون إليه بوصفه جبناً وخوفاً وضعفاً يستدعي المزيد من التصعيد. كما يُفهم بالطريقة نفسها من جانب عامة الناس، الذين باتوا يسخطون ويتذمرون، سراً وعلناً، من أداء الدولة وعدم دفاعها عنهم؛ سواء أكانوا في مناطق الشرعية، حيث يتعرّضون للقتل بدم بارد، أم من المكلومين داخل مناطق سيطرة الميليشيا، الذين أثقلهم الخوف والجوع والذل، وينتظرون ساعة الخلاص ليعلنوا ثورتهم من الداخل.
كما يتصاعد التذمر والسخط بسبب عجز الشرعية عن حماية مؤسساتها، خصوصاً أن ذلك يتزامن مع قصف متواصل، منذ أيام، لمواقع الجيش وحتى للأعيان المدنية، بدءاً بميناء المخا ووصولاً إلى مخيمات النازحين في #مأرب.
لا أسوأ من الحرب وآثارها، ولا أسوأ من الدعوة إليها والتصفيق لها. لكن جماعة الحوثي، للأسف، لا تترك لنا، نحن اليمنيين، ولا للحكومة الشرعية ولا للسعودية، حليفتها الأساسية وشريكتها في هذا المصير، خياراً سوى اللجوء المتوقع إلى هذه الحرب. فالسلم والمهادنة مع جماعة كهذه باتا اليوم مكلفين، وسيكونان غداً أكثر كلفة، وسيدفع ثمنهما الجميع: اليمن والسعودية والإقليم والعالم.