مقالات وآراء

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - الساعة 08:15 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/أيمن الوليدي

ليست كل الشخصيات التي عاشت مراحل التحول في تاريخ الجنوب حاضرة في صفحات الكتب، فهناك رجال بقيت تجاربهم محفوظة في ذاكرة أسرهم ورفاقهم، بعيدًا عن التوثيق الإعلامي. ومن هؤلاء عبدالله علي أبوبكر الوليدي، الذي تستحق سيرته أن تُروى بوصفها جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والوطنية لمرحلة اتسمت بالنضال والتضحيات والتحولات السياسية.

من قسوة الريف إلى طريق النضال

بحسب ما ترويه أسرته، نشأ عبدالله الوليدي في بيئة ريفية صعبة، وعاش اليُتم وفقدان عدد من أفراد أسرته في سن مبكرة. وفي ظل تلك الظروف، تشكلت تجربته الإنسانية، وارتبطت حياته بقيم الصبر والاعتماد على النفس والوفاء لمن حوله.

ومع تصاعد المقاومة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، انخرط، وفق الرواية العائلية، في صفوف جبهة التحرير، مشاركًا في مرحلة كانت فيها المواجهة مع السلطات الاستعمارية محفوفة بالمخاطر.

وتتناقل الذاكرة المرتبطة به روايات عن مواقف فدائية ومطاردات في محيط عدن والبريقة، من بينها محاولة استهداف مواقع بريطانية وإلقاء قنبلة على مركبات عسكرية. وهي تفاصيل تستحق التوثيق من خلال شهادات مستقلة ووثائق تاريخية تحدد ظروف تلك الوقائع وتواريخها.

وفي شهادة ينقلها المقربون منه، وصفه رفيقه في النضال، المناضل عبدالله علي عبيد، رحمه الله، بأنه أخلص للنضال بكل جوارحه، وكان من أشجع الرجال ولا يهاب الموت. وتبقى هذه الشهادة جزءًا من الذاكرة الشفوية التي تستحق الجمع والحفظ، إلى جانب شهادات بقية رفاقه.

ما بعد الاستقلال.. تحولات تركت آثارها

كان الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967 محطة مفصلية في تاريخ الجنوب، لكنه أعقبه مسار سياسي معقد شهد خلافات وصراعات بين قوى شاركت في مقاومة الاستعمار.

وبحسب رواية أسرة الوليدي، فقد تعرض للسجن والاضطهاد في مرحلة ما بعد الاستقلال، وهي تجربة تحتاج تفاصيلها إلى مزيد من البحث والتحقق، بما في ذلك تحديد فترة الاعتقال وأسبابه والظروف المحيطة به.

وتنقل الرواية العائلية أنه، عندما سُئل عن استمرار ولائه لجبهة التحرير بعد حلها، أجاب: «نعم، أنا مع التحرير حتى يدفنوني بالتراب».

وتعكس العبارة، كما نُقلت عنه، تمسكه بانتمائه السياسي، وتفتح بابًا لفهم ما خلفته التحولات التي أعقبت الاستقلال من خلافات في صفوف بعض القوى الوطنية. غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي وضع هذه الرواية ضمن سياقها، ومقارنتها بشهادات أخرى، وعدم الاكتفاء برواية واحدة للحكم على مرحلة بكاملها.

الوفاء بعيدًا عن المناصب

لا تتوقف سيرة الوليدي عند تجربته السياسية، بل تمتد إلى علاقاته الإنسانية ومواقفه الشخصية التي بقيت في ذاكرة أسرته.

فمن الروايات المتداولة عنه وفاؤه للشيخ الراحل أحمد ناصر أمارم، إذ نُسب إليه قوله: «الذي بيني وبين أحمد ناصر أمارم من الوفاء، لو صُبَّ على جذع شجرة يابسة لأخضرّت».

كما تروي أسرته أن صديقه الراحل حسين عثمان عشال زاره في منزله بالبريقة بعد الوحدة اليمنية، وعرض عليه الترشح لمجلس النواب، لكنه رفض قائلًا: «لو جابوا لي مجلس النواب إلى الحي هذا، لن أترشح، ولا أحب أي منصب مهما كان».

وتكشف هذه الروايات عن صورة الرجل كما حفظتها الذاكرة العائلية؛ صورة تستحق التوثيق، مع السعي إلى الاستماع لمن حضروا تلك المواقف والتحقق من تفاصيلها.

إنصاف الذاكرة مسؤولية تاريخية

إن استعادة سيرة عبدالله علي أبوبكر الوليدي في ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر ليست مجرد استذكار لشخصية من الماضي، بل دعوة إلى الاهتمام بتاريخ الرجال الذين شاركوا في مرحلة النضال، ثم عايشوا التحولات التي أعقبت الاستقلال.

وتبقى الحاجة قائمة إلى جمع شهادات أسرته ورفاقه، والبحث عن الوثائق والصور والسجلات ذات الصلة، وتحديد التواريخ والأماكن، حتى تُكتب سيرته بصورة أكثر اكتمالًا ودقة.

فالتاريخ لا يُبنى على الإشادة وحدها، كما لا تُنصف الشخصيات بإغفال تجاربها المؤلمة؛ بل يُكتب بجمع الوقائع، وحفظ الشهادات، والتمييز بين ما ثبت بالدليل وما بقي في نطاق الرواية المنقولة.

عبدالله علي أبوبكر الوليدي.. سيرة من النضال والتحولات، تستحق أن تُروى بأمانة، وأن تُوثق بإنصاف، حتى تبقى تجربة الرجل جزءًا من ذاكرة الأجيال القادمة.

وفي المقال القادم، نتناول موهبته في الشعر الشعبي، وكيف حضرت في مراحل حياته ومنعطفاتها الإنسانية والسياسية.