الوطن العدنية/المصدر أونلاين
طغى خبر مقتل الميكانيكي وصانع المحتوى هارون عبده، يوم الإثنين، على الحدود اليمنية السعودية، على أخبار الحرب المشتعلة في اليمن منذ عدة أشهر.
وجدت قصة هذا الشاب الناجح طريقها إلى الرأي العام في بلد منشغل بالصراع.
كان هارون عبده شابًا في نهاية العشرينيات من العمر، يعمل ميكانيكيًا، ويقف ساعات طويلة فوق محركات السيارات والمعدات الثقيلة، يصلحها بشغف منقطع النظير.
يدان ملطختان بالزيت، وصوت لم يمنعه التعب من أن يكون حيويًا، يشرح لمتابعيه كيف يُصلح أعطالًا معقدة بشكل يجعل الأمر يبدو كما لو أنه متاح للجميع.
ولئن بدا هارون صانع محتوى محترفًا، فهو ميكانيكي أكثر احترافية وإدهاشًا.
انتشرت مقاطعه المتعلقة بالميكانيك ونصائحه للشباب، التي شاهدها عشرات الملايين على منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وفيسبوك، وبدا هارون كمن يملك الحل لكل مشكلة.
شكّلت حياة الشاب العشريني نموذجًا ملهمًا ودليلًا واقعيًا على أن المهارة والإصرار يفتحان أبوابًا مغلقة، لكن بابًا واحدًا ظنه هارون سهلًا كتب نهاية فاجعة لقصة شاب طموح.
يشرح هارون في أحد الفيديوهات بدايته عندما وصل إلى السعودية كشخص مجهول يصلح المعدات الثقيلة في منطقة نائية في صحراء السعودية، بعيدًا عن أعين الناس.
يقول: كنت اليمني الوحيد هناك، خلال عامين، كنت أعمل وأواجه الصعوبات، لكنني كنت أحب عملي، إلى أن حصلت لي نقلة نوعية غيّرت حياتي، حين جاءني شخص سعودي أعجب ببراعتي الميكانيكية وقال: مكانك مش هنا، أنت لازم تتطور.
قام هذا الرجل بدعمه بالمال والسيارات، وأعطاه إقامة رسمية، حتى وقف على قدميه، حسب هارون.
يمضي بالقول: بعدها افتتحت مشروعي الخاص، بدأته بمبلغ عشرين ألف ريال سعودي، كان عبارة عن أول ورشة صيانة، رغم مخاوفي من الفشل أو الخسارة.
أضاف: عاد الرجل الذي انتشلني من الصحراء، استعنت به، واستأجر لي هنجرًا، وبدأت أشتغل، وكان هذا بداية لخير كبير لي.
ثم أنشأ هارون أول مؤسسة باسم «بصمات المحترف» لخدمات الصيانة في السعودية، وبعدها ورشة أخرى باسم «جلمبو كار»، ونجح المشروع بشكل كبير، ثم دخل في شراكة مع الرجل السعودي الذي انتشله من الصحراء.
مطلع العام الجاري، عاد هارون إلى اليمن بغرض افتتاح مشروع في بلاده، لكن الأمور لم تسر على النحو الذي يريد، حيث واجهته العراقيل منذ أول لحظة.
افتتح ورشة كبيرة باسم «هارون كارز»، لكنه كان يواجه المشاكل بشكل متواصل.
تحدث هارون عن مشاكل مع بعض أهله، ثم مشاكل مع سلطة الأمر الواقع الحوثية، ومع أسرته أيضًا.
في 26 يوليو، أطلق هارون نداءً من داخل سجن قسم الحثيلي بصنعاء، حين اعتقله الحوثيون على خلفية عمله وورشته، وناشد زملاءه ومعارفه أن يقفوا معه.
قال هارون في منشور حذفه بعد وقت قصير: «إلى كل الزملاء والمتابعين، أكن لكم كل الحب، احتمال أغيب لفترة طويلة، ورشتي تقفلت، تعبت أحارب وأحاول أن أنجح في هذه البلاد».
وأضاف: «أنا الآن مسجون في قسم الحثيلي، القسم الذي لا عدل فيه، العديد من المظاليم محبوسون هنا، ما حد يلتفت لهم».
وطالب هارون بمسامحته: «أتمنى تسامحوني، أنا متعب جدًا، ادعوا لي عسى الله يريح قلبي».
اتهم في معرض منشوره أباه وإخوته بالتعاون مع الغريب، وذكر أنهم رتبوا له سجنًا لم يكن في الحسبان، وختم منشوره بالقول: «هذه آخر رسالة لأنهم سيأخذ التلفون مني".
ثم عاد هارون وحذف هذا المنشور بعد دقائق من نشره.
بعد أربعة أيام، كان هارون قد خرج من حبسه، استنادًا إلى المنشور التالي على صفحته، وهو عبارة عن فيديو ترويجي لعمله.
تواصل هارون مع العديد من أصدقائه، وأخبرهم أنه يتعرض للتهديد من عدة أرقام مجهولة، وبعضها أرقام مشفرة.
كان هارون يائسًا ويعبّر عن ضيقه وعدم رضاه عن الوضع في أكثر من فيديو.
تواصل محرر «المصدر أونلاين» مع شقيقه، وقال بنبرة عادية إن من أسماهم عيال الحرام هم من قادوه إلى الحدود ليُقتل هناك أثناء محاولته الدخول إلى السعودية، ولم يضف المزيد من التفاصيل.
وقال والده في فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي إن هارون قتل اثناء محاولته عبور الحدود السعودية بطريقة غير شرعية.
واضاف: كان هارون يرغب في العودة الى السعودية للاستفادة من قرار تصحيح الاوضاع التي اعتمدتها المملكة مؤخراً.
وتحدث ان ابنه كان في السعودية لمدة سنتين بطريقة غير قانونية ، قبل ان يتمكن الامن السعودية من القبض عليه وترحيله الى اليمن.
وذكر أن اصابة هارون جاءت برصاصة في الراس انهت حياته على الفور، وبعد ان مات نقله خمسة اشخاص يمنيين الى الجانب اليمني بطلب من حرس الحدود السعودي.
في قصة هارون ثمة حلقة مفقودة، ففي حين تنشط نظريات المؤامرة لدى كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشأن تصفيته من قبل الحوثيين، يذهب البعض إلى أن الوفاة عادية، وتأتي في سياق محاولة دخوله بطريقة غير شرعية إلى السعودية.
لدى هارون موقف من الحرب الدائرة التي يخوضها الحوثيون، فقد ذكر في منشور أن ابن عمه قُتل في صفوف الحوثيين في حرب وصفها بأنها «لا ناقة لنا فيها ولا جمل».
بعد كل ما لاقاه في اليمن من صعوبات، قرر هارون العودة إلى السعودية بعد أقل من عشرة أشهر من وصوله إلى اليمن، ولكن رحلته لم تكتمل.
مات هارون برصاصة حطمت أحلامه، لكنه ترك الكثير من التساؤلات خلفه، أهمها:
لماذا يقرر شاب ميسور الحال العودة إلى السعودية عن طريق التهريب، وهو قادر على شراء تأشيرة جديدة؟
اليوم، بينما تشتعل الحرب وتتصاعد نظريات المؤامرة، يبقى صوت هارون معلقًا في الفيديوهات القديمة: «تعبت أحارب وأحاول أن أنجح في هذه البلاد».