مقالات وآراء

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 06:20 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص


لست أدري أكانت تلك المؤسسة التي أزاول عملي فيها مؤسسةً حكومية، أم ملكا لأشخاص أو مقاطعات تديرها المافيا؛ ولا أبالي أيَّ صفةٍ كانت تحملها،
فحين تمشي في شوارع مدينتنا المظلمة، وتتأمل هذا الصرح الذي يحمل اسماً براقاً يعود إلى قرن مضى، تعود إلى ذهنك أسئلة شتى حول طبيعة الكيان الذي نعمل تحت سقفه. لا تدري أهي مؤسسة حكومية أم إقطاعية خاصة يديرها نفر من طهاة المصالح، ولا تهمك الصفة القانونية كثيراً ما دام منطق الغلبة هو السائد، والقانون فيها لا يُستدعى إلا ليخدم أصحاب النفوذ وحدهم. الاسم يوحي بإنارة الطرقات، لكن الواقع يقول إن الظلام هو السلعة الوحيدة التي توزعها بغزارة على الأزقة والبيوت، فلا إصلاح يُرجى ولا نجاح يُلمس، وكأن الغاية الحقيقية قد تحولت من أداء الرسالة إلى اقتسام الكعكة، فيما يُترك الناس وحدهم يدفعون فاتورة العجز والخراب.
​عشر كاملة من السنين كانت كفيلة بإسقاط مساحيق التجميل وكشف المستور تحت الشعارات الرنانة. الأسامي الكبيرة والتواريخ العريقة لم تعد تحجب الحقيقة عن أعين الناس، فما عاد ينخدع بهذه البلاغة الفارغة إلا ساذج، وما عاد بريق الماضي كافياً ليستر عورات الحاضر حين تنطق الوقائع بالأرقام والفشل. لقد تحولت المؤسسة في أعيننا إلى ما يشبه البورصة الخاصة التي تضخم ثروات القائمين عليها وتزيدهم غنىً فوق غناهم، أو إلى ضيعة إقطاعية يتصرف فيها المديرون بلا رقيب ولا حسيب، يهدمون ما شاؤوا بحجة التطوير، ويبنون ما يخدم مصالحهم الخاصة، مستخدمين العراقيل مرحلة ضرورية لإعادة توزيع الغنائم. الأهم عندهم ليس أن تنهض المرافق أو تستعيد المدينة نورها، بل أن تظل الحصص مضمونة والمصالح فوق المساءلة والمناصب فوق الكفاءة.
فالمؤسسات لا تنهض بالفهلوة، ولا بعقلية الإقطاع الحديثة التي تدير هذه المرافق، ولا بأسماء تستمد بريقها من أمجاد الماضي. فهؤلاء لا يبالون بنهوض المؤسسة، ولا بانقشاع الظلام عن وجه المدينة؛ وكل ما يعنيهم هو أن تظل المغانم وفيرة، والمناصب بمنأى عن المساءلة والمحاسبة. يقدّسون الكرسي على حساب الكفاءة، ويقدّمون الولاء على المصلحة العامة، متوهمين أن التعتيم سيدوم إلى ما لا نهاية
وأمجاد الأمس، مهما عظمت، لا تصلح ستارا لعثرات اليوم، وبريق الأسماء لا يعوّض انطفاء الإنجاز. فالمؤسسات لا تستمد مكانتها من تاريخها وحده، بل بما تقدمه للناس، وما تلتزم به من نزاهة ومسؤولية وعدالة، وما تخضع له من رقابة ومحاسبة.

وللحديث بقية في مستودعات الأيام، فحبل الكذب قصير، ومهما اشتد ليل التعتيم، فلا بد للحق أن يشق طريقه إلى النور.