الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان
لم يعد خافياً على أحد أن الخطابات المتلفزة التي يسردها زعيم الميليشيا الحوثية الإرهابية عبدالملك الحوثي لم تعد سوى هلوسات سياسية واستعراضات بائسة لتزييف الوعي، ومحاولة يائسة لترميم بيئة داخلية تتداعى تحت وطأة الجوع والقهر وسرقة الرواتب. ففي خطابه الأخير، مارس هذا المجرم أعلى درجات التضليل الممنهج، محاولاً بث سموم الفرقة وبيع الوهم للشارع اليمني من خلال لغة إنشائية باهتة تُجمل وجه مشروع انقلابي دموي، وبارتداء ثوب الحمل الوديع الحريص على أبناء المحافظات الجنوبية، والباكي زوراً على الأوضاع الإنسانية، متكئاً على أسلوب مفضوح في تحميل الخارج — وتحديداً المملكة العربية السعودية — مسؤولية الحرب والدمار. غير أن لغة الدم والبارود، وتاريخ الميليشيا الأسود في تفجير المساجد، وقتل الأطفال، وتدمير مقومات الحياة، تتكفل وحدها بنسف كل حرفٍ تفوه به هذا الخادم الإيراني الذليل، ليغدو خطابه مناورة مفضوحة لإطالة أمد الحرب، واللعب على تناقضات المجتمع في مناطق سيطرته، وخداع أسر من دفعوا بأبنائهم محروقين في محارق العبث الإيراني.
إن المفارقة الأكثر فجاجة في خطاب الحوثي تبرز بوضوح حين يوجه رسائل "طمأنة" لأهالي المحافظات الجنوبية مؤكداً أنهم "ليسوا مستهدفين"، وأنه لا يقاتل سوى "التحشيدات السعودية"! فبأي منطق يجرؤ هذا الإرهابي على الحديث عن السلامة وهو من زرع الموت في كل تراب اليمن؟ إن عبارات القرب الاجتماعي المفتعلة مثل "أهلنا وأحبائنا" تتطاير أدراج الرياح أمام لغة الصواريخ الباليستية التي تثبتها التقارير الميدانية الدقيقة؛ فقد كشفت وكالة "رويترز" بالأرقام والتاريخ استهداف ميليشيا الحوثي لمطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، إضافة إلى ما وثقته وكالة "الأناضول" من اعتداءات موثقة واستهداف لمعسكر العلم في محافظة شبوة بثلاثة صواريخ باليستية، فضلاً عن التقارير المستمرة التي توثقها شبكة "الجزيرة" عن تصعيد الهجمات على عدن ومحيطها. فأي طمأنة هذه التي تُكتب بدماء الأبرياء وتدمر البنى التحتية للمدن الآمنة؟ إن معيار حماية المدنيين لا يُقاس بالخطب الرنانة، بل بمدى كف أيدي الإرهابيين عن قصف المدن وانتهاك الحرمات.
ولا يقل خطاب الحوثي وقاحةً واستهبالاً للرأي العام عما صرح به تجاه محافظة تعز "العز والصمود". فحين يخرج لينكر حصار تعز صراحةً، واصفاً إياه بـ "المزاعم السعودية"، ويزعم أن الغذاء والدواء والإنسانيات متاحة ولا يُمنع عنها سوى "السلاح"، فإنه يمارس أبشع أنواع السقوط الأخلاقي والسياسي. إن تعز التي تقاوم طحين الجوع وعتمة الحصار منذ سنوات طويلة، تشهد عليها تقارير "رويترز" و"أسوشيتد برس"، والتي أكدت بوضوح أن القتال الحوثي المستمر وعرقلة وصول المساعدات فاقما كارثة المستشفيات وأحدثا شخوصاً مأساوية مع النقص الحاد في الأدوية الأساسية والأكسجين والوقود، فضلاً عن الوضع الإنساني الشديد الصعوبة الذي تعيشه المدينة المحاصرة بقوة السلاح وقناصة الموت. إن حرمان الملايين من حرية التنقل، وإغلاق الطرق الرئيسية وتحويلها إلى مصائد موت وقنص، لا يمكن غسله ببيانات تافهة تدعي أن "المجال مفتوح". إن دماء أطفال تعز وصرخات المرضى تكذب هذا الدجل وتفضحه.
والأمر الأكثر إثارة للاشمئزاز في هذا الخطاب هو استراتيجية "الهروب إلى الأمام". فعوضاً عن مواجهة الأسئلة الحقيقية التي تؤرق الشارع اليمني: من سرق رواتب الموظفين؟ من دمر الاقتصاد الوطني؟ من حول المدارس إلى متاريس ومقابر؟ من رفض كل اتفاقيات السلام وأجهض مساعي التهدئة؟ — يهرع الحوثي إلى تعليق كل المآسي على شماعة التحالف العربي وأمريكا وبريطانيا وإسرائيل. والمفارقة الساطعة هنا أن من يتباكى على السيادة هو ذاته الوكيل الحصري والمرتزق الأكبر للحرس الثوري الإيراني، الذي يتلقى أوامره وسلاحه الباليستي من طهران لزجه في معارك عبثية تهدد أمن البحر الأحمر وباب المندب، مستبيحاً دماء اليمنيين رخيصة في خدمة أجندات الولي الفقيه الفارسية.
إن خطاب عبدالملك الحوثي لم يكن سوى محاولة يائسة لترميم بيئته الداخلية المتصدعة بعد أن أدرك المغرر بهم في صفوفه حجم الخديعة والدمار الذي جرهم إليه هذا المشروع الإرهابي. ولن تفلح كل خطب التزييف، ولا مفردات المظلومية الكاذبة، في طمس حقيقة أن هذا المجرم هو العدو الأول للإنسانية واليمن وأهله. فالتاريخ لن يرحم، والعدالة اليمنية ستلاحق كل من ارتكب هذه الجرائم، وستبقى تعز وعدن وشبوة ومأرب عصية على الانكسار أمام غطرسة الكهف ومشاريع الملالي المظلمة.