الثلاثاء - 17 نوفمبر 2020 - الساعة 05:14 م
ليست مشكلة الأخت توكل كرمان..
كنت أتابع بصمت ما كتب حول تغريدات الأخت توكل كرمان - هداها الله- ولهذه التغريدات مثيلات سابقات تجعل القضية عندي ليست فكرية ولا سياسية ولا دينية ولا أيدولوجية بل هي ( نفسية) بنسبة ١٠٠ % .
وهذه (الحالة) محل الدراسة لا تختص بالأخت توكل بل أني وجدتها متفشية بشكل كبير في مجتمعاتنا المصنفة بأنها (متأخرة) وقد ساعد على انتشارها ظهور وسائل التواصل الاجتماعي كمنبر مفتوح للكل .
ولأني لست متخصصا في الطب النفسي فما أعرف بالضبط ما هو الاسم العلمي الطبي لهذه الظاهرة ولكن من خلال متابعتي لكثير من نماذجها أستطيع أن أقربها للقاريء بأنها تشبه( البراءة من النقص) أو( إثبات الوجود مع ضعف المؤهلات) وأبرز مظاهرها البحث عن بطولة وهمية، حيث يصنع الشخص لنفسه هالة كبيرة ويشعر الآخرين أن له أعداء وأنه مستهدف وأنه يعالج قضايا كبرى لا يفهمه المجتمع حين يتناولها، ومن أجل ذلك ممكن يصنع لنفسه خلافا مع الدين أو مع رجال الدين أو مع التراث أو مع أطراف فكرية أو سياسية وربما يتمنى أن يتعرض للاعتقال أو لمحاولة إغتيال أو لحملة تكفير..... ، بل وحتى بعض المتدينين تجده يعاني من هذه(الحالة ) فيوهمك أنه مهدد وهناك من يتابعه ويتجسس عليه وأن اللادينيين هكروا صفحته واجتمعوا للتآمر عليه....
والحقيقة أن الموضوع ينبغي أن يوضع في سياقه النفسي فقط.
لما قالت الأخت توكل عبارتها(ولكنها تدور) هي هنا تبرز حالتها النفسية بوضوح فهي تحاكي عبارة جاليليو العالم الفذ صاحب الأبحاث العلمية والذي أضطهدته الكنيسة ورجال الدين حتى أرغموه على التراجع عن قوله بأن الأرض تدور فتراجع مكرها ثم همس( ولكنها تدور) طبعا الاخت توكل ليست لها أي أبحاث علمية ولا كتابات أدبية ولا مقالات صحفية وما أظنها تملك أي مؤهلات أو شهادات وإنما حالفها الحظ كما حالف محمد علي الحوثي، وقد تابعت لها لقاء مع أحمد منصور في برنامج بلا حدود فرأيتها( تخاشف) وتحرك ذراعيها ورقبتها ورأسها عوضا عن لسانها ولكن كان أحمد منصور يقدر وضعها ومستواها العلمي والثقافي فيرفق بها،
(ولكنها تدور) عبارة تريد توكل أن تجعل من نفسها فردا ضمن فريق جاليليو وغيره من دهاقنة العلم الكبار الذين حاربتهم الكنيسة وتريد أن تضع ابن باز ومن تهاجمهم سابقا من الدعاة والعلماء في مكان الكنيسة حتى يتكون مشهد خادع للمتابع البسيط فيجعل من توكل كرمان بطلة علمية تقاوم فكر رجال الدين المتخلف بفكرها العلمي المستنير، وبما أن توكل فاتها البحث العلمي والاكتشافات العظيمة ولم يكن لها حظ من الشهادات فأرادت أن تستعيض ذلك بالشغب و(المخاشفة) .
وفي يوم من الدهر أراد أعرابي كان يعاني من نفس عقدة توكل أراد أن يذكره الناس ولكنه لم يكن فاتحا كطارق بن زياد ولا شاعرا كجرير ولا أديبا كالأصمعي ولا عالما كالشافعي ولا قارئا كنافع ولا لغويا كسيبويه ولا طبيبا كالرازي ولا فيلسوفا كالكندي ولا كاتبا كالجاحظ وهنا حين استبدت به حالته النفسية لم يجد إلا أن يبول في بئر زمزم حتى يذكره التاريخ، فأصبح أضحوكة التاريخ وما زالت زمزم تتدفق بمائها العذب الزلال، وحينما كان الخطيب البغدادي يجمع كتابه(تاريخ بغداد ) جاءه أحد هؤلاء الممحونين بذواتهم فقال له : ليتك تضعني في كتابك ولو مع الكذابين .
ذات مرة حاورت شابا كان يشيطن ابن تيمية، حتى أعترف لي أنه لم يقرأ شيئا لابن تيمية وإنما سمع الناس يقولون قولا فكرره، وحاورت أحدهم كان ينتقد البخاري فاعترف أنه لم يقرأ صحيح البخاري ولم تمسه يده قط فأدركت أن هناك خواء نفسيا يعيشه الكثيرون، لعل سببه الأوضاع السياسية والثقافية والأزمات التي تمر بها المنطقة العربية من مدة طويلة.
الأخت توكل كرمان تحتاج يدا رحيمة تحاول أولا أن تقنعها بأن جائزة نوبل لن تملأ عقلها بالعلم والمعرفة ولن تشحن وجدانها بأساليب الأدباء والفلاسفة، تحتاج من يقنعها بحقيقة مستواها العلمي والفكري حتى تهدأ وتنشغل بما يمكن أن تفيد به المجتمع اليمني لو أنها تستثمر حصولها على نوبل بطريقة رشيدة ولكن هي بهذه(القنفزة) والبحث عن الذات والسعي وراء إثبات الوجود تحرف بوصلة حركتها فلا يتحقق لها ما تصبو اليه ولا هي بقيت في ما يمكن أن تفيد به الناس فأصبحت كالغراب الذي حاول أن يقلد مشية الطاؤوس ففقد مشيته فلا هو مشى كالطاؤوس ولا استطاع أن يستذكر مشيته كغراب.
الشاهد أن هناك الكثيرين من أمثال توكل ممحونون بذواتهم المعذبة يحومون حولها ويدورون معها وينفقون سني عمرهم في اللهث وراء هذه الذات المريضة ولكن كل بطريقته.
أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفينا جميعا وأن يقينا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن يهدي شبابنا ويبرم لنا أمرا رشدا.
أبو زين ناصر الوليدي- عدن
١٧ نوفمبر ٢٠٢٠م