الثلاثاء - 13 مارس 2018 - الساعة 07:49 م
مازلنا نقف حائرين أمام معضلة تحديد جنس وماهية من يواصلون القيام بالبناء العشوائي على الطرق والأرصفة والزوايا والمنعطفات، في ظل وتحت مرأى ومسمع سلطات الدولة والأجهزة المحلية وأقسام الشرطة.
وهو الأمر الذي يجعلنا نشك في حقيقة الانفصال بين هؤلاء البنائين العشوائيين، وبين المسؤولين المعنيين بدليل استمرار تزايد التصريحات والأعمال المناهضة والمنددة بوجود البناء العشوائي، وبقاء واستمرار القائمين بالبناء العشوائي.
وكذلك التوافق والتزامن العجيب والمريب بين انتعاش التصريحات بالبدء بحملات إزالة البناء العشوائي، والازدهار المتجدد والمحموم في استحداثات عشوائية أكثر تمادياً وأكثر تدميراً وتشويهاً.
نعم مع أننا كما أسلفت القول ما زلنا أمام حيرة عجزنا عن حل هذه المعضلة وفك شفرة أسرار ورموز تناميها العجيب، نجد أنفسنا أمام فعل آخر من العمل العشوائي الجسور وغير المتوقع، وهو البناء العشوائي داخل وفوق وبالقرب من المواقع الآثارية في العاصمة المؤقتة عدن، وتحديداً في هضبة عدن وقلعة صيرة ومنطقة الصهاريج وحوالي قلاع وأسوار جبل حديد، ومداخل ومخارج باب عدن (كريتر).. الخ من هذه الأعمال المشبعة بمظاهر التحدي والاحتقار والتفريط بكل القيم والمثل.
إن هذا الفعل من النشاط العشوائي الموجه ضد التاريخ والهوية ووجود الإنسان إجمالاً، والمتمثل في طمس وإلغاء المواقع الآثارية وسلبها قيمتها وقيمها، لهو فعل لا يمكن مقاربته أو مطابقته مع أي عمل عشوائي آخر، لما ينطوي عليه من تجاوز لكل مفردات ومظاهر وصور التحدي والتحايل، إلى الحد الذي يفوق قدرة وإمكانية الإنسان الطبيعي والسوي.
الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن الأعمال العشوائية التي تستطيع اختراق الأسوار والبوابات وربما الحراسات إلى داخل صهاريج عدن التاريخية لتبني منازل عشوائية فوق وداخل الحرم الاثري، لهي فعل من أفعال عفاريت (عدلي علام) التي تظهر فجأة وتختفي فجأة وفي غفلة من بصر وبصيرة البشر، متحدية كل ما له علاقة بقيم وقدرات الإنسان العادي، مع فارق بسيط هو أن عفاريتنا أكثر انحطاطاً، وصفاقة لعدم تقيدها بحدود المعقول في التعدي والتدمير والتحدي، ولا ملتزمة أو محافظة على حفظ ماء وجه من يتغافلون عن أعمالها من سلطات حكومية وأمنية، التي تواصل السكوت والتخفي وراء جدران مكاتبها، وكأن ما يجري لا يعنيها أو يمت إليها بصلة.