الوطن العدنية/إعداد القاضي أنيس جمعان
الأضحيّة هي إحدى شعائر الإسلام، التي يتقرب بها المسلمون إلى اللَّه؛ بتقديم ذبح من الأنعام؛ وذلك من أول أيام عيد الأضحى، حتى آخر أيام التشريق، وهي من الشعائر المشروعة والمجمع عليها، وهي سنة مؤكدة لدى جميع مذاهب أهل السنة والجماعة الفقهية الشافعية والحنابلة والمالكية، ما عدا الحنفية فهم يرون بأنها واجبة، وقال بوجوبها ابن تيمية وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو أحد القولين في مذهب المالكية.*
*▪️شرع اللَّه تعالى على المسلمين الأضحيّة لعدّة حِكَم؛ منها: التّوسعة على النّاس في العيد، حيث أمر اللَّه تعالى إبراهيم عليه السّلام بذبح ابنه إسماعيل عليه السّلام، فاستجاب لأمر ربّه دون أيّ تردّدٍ، ولكنّ اللَّه تعالى أنزل فداءً من السّماء، فشُرِعت الأضحيّة أمتثالاً لأمر اللَّه تعالى، حيث إنّها من أفضل العبادات التي تقرّب العبد من اللَّه تعالى، والحكم فيها أنّها سنّة مؤكّدة، والقادر عليها يُكره منه تركها، الأضحيّة: اسمٌ لِما يُذبح قُربةً إلى اللَّه تعالى، سواءً كان من الغنم، أو البقر، أو الإبل، ويكون الذّبح يوم النحر وأيّام التشريق، حيث قال اللَّه تعالى: (قُل إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ)،[سورة الأنعام: 162] فالنّسُك: هو ما يُذبح تقرّباً إلى اللَّه تعالى، كما أنّ في الأضحيّة إحياءً لسنّة النّبي إبراهيم عليه السّلام، وإدخالاً للفرح والسّرور على قلوب الفقراء والمساكين بالتّصدّق عليهم منها، وثناءً على اللَّه تعالى على ما رزق عباده من بهيمة الأنعام.*
*▪️إن الأضحية قد شرعت في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وهي السنة التي شرعت فيها صلاة العيدين، لحكم كثيرة منها شكر اللَّه سبحانه وتعالى على نعمه المتعددة، تقرباً من العبد إلى ربه بإراقة دم الأضحيّة أمتثالاً لأمر اللَّه، و ذبح الأضاحي أو نحرها في عيد الأضحى شعيرة إسلامية تضافرت الأدلة على شرعيتها لقول اللَّه عز وجل :(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ).[ سورة الكوثر:2]، وإحياء لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، كما ذكرنا حين أمره اللَّه عز وجل بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلاة والسلام في يوم النحر، فإذا تذكر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصبر على طاعة اللَّه وتقديم محبته عز وجل على هوى النفس وشهوتها، بالإضافة إلى التوسعة على النفس وأهل البيت، إكرام الجيران، الأقارب، الأصدقاء والتصدق على الفقراء.*
*▪️وهي من شعائر الإسلام العظيمة التي واظب عليها النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة رضوان اللّه عليهم، والأمة الإسلامية عبر التاريخ، والأضحيّة تشرع على الموسرين من الرجال والنساء على السواء، وهي سنة مؤكدة للمستطيع عند جمهور علماء المسلمين، لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلا مِنْ بَشَرِهِ شَيْئًا).[رواه مسلم]، فلما قرن الأضحيّة بالإرادة دلّ على أنها غير واجبة.*
*▪️ويقول العلماء بوجوبها في حقّ الغني الذي لديه مال كافٍ سوى مسكنه وحوائجه الأصلية وديونه، لقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا).[رواه ابن ماجه وأحمد]، فعلى المسلم المستطيع أن يحتاط لدينه ويحرص على الأضحيّة التي هي أفضل عمل يقرّبه المسلم لربه في هذا اليوم، ويكون له في كل شعرة منها حسنة.*
*▪️كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أرادَ أن يضحِّيَ، اشتَرى كبشينِ عظيمينِ، سَمينينِ، أقرَنَيْنِ، أملَحينِ موجوءَينِ، فذبحَ أحدَهُما عن أمَّتِهِ، لمن شَهِدَ للَّهِ، بالتَّوحيدِ، وشَهِدَ لَهُ بالبلاغِ، وذبحَ الآخرَ عن محمَّدٍ، وعن آلِ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ (الراوي : عائشة وأبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 2548 | خلاصة حكم المحدث : صحيح).*
*▪️وروي عن أنس بن مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا).[صحيح - متفق عليه].*
*▪️وروي عن جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (ذبح النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين فلما وجهها قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح).[سنن أبي داود مع شرحه عون].*
*▪️وقد رغب رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأضحيّة فروت عنه عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا أنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «ما عمل آدميّ من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها -أي: فتوضع في ميزانه- وإن الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسًا).[رواه الترمذي]، ويستحب لمن أراد أن يضحي، الا يأخذ شيئاً من شعره أو أظفاره.*
*شروط المضحي :*
➖➖➖➖➖
*▪️حدد فقهاء الدين عدداً من الشروط الأساسية التي يجب توافرها في كل من يرغب في ذبح الأضحيّة خلال عيد الأضحى، حتى تكون الأضحيّة صحيحة ومقبولة شرعاً وهي:*
*(١) النية :*
➖➖➖
*▪️من شروط المضحي تحديد نية التضحية، لأن الذبح قد يكون للحم، وقد يكون للقربة، والفعل لا يقع قُربةً إلا بالنية، لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى). [رواه البخاري].*
*(٢) الإسلام :*
➖➖➖
*▪️تصح الأضحيّة من كل مسلم حر، ولا تصح من غيره، وقد اختصت عبادة الأضحيّة بالمسلم، لأنّها قُربة إلى اللَّه تعالى يتعبّد له بها.*
*(٣) البلوغ :*
➖➖➖
*▪️يشترط أن يكون المضحي بالغاً، وذهب المالكيّة إلى كونها سنة في حق الصغير، ورأى الحنفية أنها واجبة في حق الصغير إن كان ذا مال، ويُضحّي عنه أبوه، أو وصيّه، ويُسَنّ له أن يأكل من أضحيته، وذهب بعضهم إلى أنّها لا تجب على الصغير من ماله، وهي غير مسنونة للصغير عند الشافعية، والحنابلة.*
*(٤) المقدرة المالية :*
➖➖➖➖➖
*▪️يرى الحنفية أن المقدرة الماليّة شرط من شروط المضحي، وتسقط عن العبد دون الحُر، لأنّ العبد لا يملك شيئاً، والمقدرة المقصودة هنا أن يمتلك الذي ينوي الأضحيّة النِّصاب الزائد عن حاجته اليومية، و يُشترط أمتلاك المُضحّي للأضحيّة بطريقة شرعيّة.*
*▪️وعرف الشافعية المقدرة المالية بأن "يملك المضحي في يوم وليلة النَّحر وأيام التشريق ما يزيد عن حاجته وتحصل به الأضحيّة".*
*▪️بينما رأى المالكية أنّ القادر هو "من لا يحتاج إلى ثمن الأضحيّة لأمر ضروري"، ورأى الحنابلة أن القادر هو "من يستطيع أن يُحصّل ثمن الأضحيّة حتى لو استدان ثمنها إن علم أنه قادر على سداد دَينه".*
*(٥) غير حاجّ :*
➖➖➖➖
*▪️يشترط عند المالكية ألّا يكون المضحي حاجّاً؛ إذ إنّ السنّة للحاجّ الهَدْي وليس الأضحيّة، وقد انفرد المالكيّة بذلك الشرط عن باقي الفقهاء.*
*(٦) الإقامة :*
➖➖➖
*▪️أشترط جمهور الفقهاء الأضحيّة على المُسافر كالمُقيم، في حين أنفرد الحنفية في سقوطها عن المُسافر فلا تجب عليه، أي أنّهم أشترطوا أن يكون الشخص مُقيماً؛ والسبب في عدم وجوبها على المسافر عندهم أنّه يشقّ على المسافر.*
*شروط الأضحيّة :*
➖➖➖➖➖
*▪️هناك شروط لابد من توافرها في الأضحيّة قبل شرائها والتأكد من سلامتها:*
*(١) أن يكون رأس الحيوان مرفوعاً لأعلى وليس متدلياً لأسفل.*
*(٢) أن تكون العينان لامعتين براقتين، ولا يوجد بهما أي اصفرار أو احمرار، وأن تكون خالية من الدموع والإفرازات.*
*(٣) أن يكون تنفس الحيوان طبيعياً ولا يعاني من النهجان أو السعال.*
*(٤) أن تكون أنف الأضحيّة غير مصابة بالرشح أو الإفرازات.*
*(٥) أن يكون فم ولسان الأضحيّة خالياً من الالتهابات والإفرازات.*
*(٦) أن يكون الصوف أو الشعر ناعم الملمس، نظيفاً، متكاملاً وغير ناحل، وقويا عند محاولة نزعه باليد.*
*(٧) أن يكون الجلد خالياً من الجروح والبقع أو التشققات، مع عدم وجود أي تقرحات أو تقيحات أو دمامل أو تورمات.*
*(٨) أن تكون الخصيتان سليمتين إسفنجية الملمس، غير منزوعتين أو متورمتين أو متضخمتين.*
*(٩) أن يكون نشيط الحركة ذو شهية مرتفعة وغير كسول.*
*(١٠) أن تكون القوائم ممتلئة وغير نحيفة، بل مستقيمة وقوية.*
*(١١) أن تكون كل من منطقة الرقبة والظهر ومقدمة الصدر ممتلئة باللحوم، فلا تكون العظام في هذه المناطق بارزة تحس باليد عند لمسها.*
*(١٢) ألا يكون الكرش ممتلئاً بشكل غير طبيعي عند الضغط عليه من جانبيه.*
*(١٣) أن تكون خالية من مظاهر وعلامات الانتفاخ والإسهال عند مؤخرتها.*
*وقت الأضحيّة :*
➖➖➖➖
*▪️يدخل وقت الأضحيّة بعد أرتفاع الشمس قدر رمح، وبعد مضي قدر صلاة الإمام العيد وخطبته، ويستمر إلى آخر أيام التشريق الثلاثة، فلا يجوز ذبح الأضحيّة قبل صلاة العيد، ومن ذبح الأضحيّة قبل صلاة العيد فعليه أن يذبح بدلاً منها، فعن جُنْدَب بن سفيان البَجَلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: ضحّينا مع رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أضحية ذات يوم فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة، فلما انصرف رآهم النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة، فقال: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على أسم الله).[رواه البخاري ومسلم ]. والأفضل تأخير الذبح إلى ما بعد الفراغ من خطبة العيد".*