مقالات وآراء

الأحد - 01 سبتمبر 2024 - الساعة 06:19 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/مقال لـ"الصقر الهدياني"

تحيلني للتعجُّب شخصية فهد بن جعموم، كيف نجحَ في تصدير شخصيته دونما تكلُّف أو ابتذال؟.

إنَّ الخروج عن المألوف بطريقة لا تمس عذرية المجتمع؛ أمر مدهش وفيه رهبة تساوي رهبة الوقوع في خطيئة قد تطيح بصاحبها من علو إنسانيته. بين الشهرة والمجتمع، هوّة غائرة، هذه الهوّة عريضة وتتسع للجميع، ويتطلب الأمر لتجاوزها تحليقة طائشة بجناحينِ من اختيار القلب والعقل معًا، اللعب على الموازنة بين الجِد والهزل، معرفة الوقت المناسب لدغدغة العاطفة البشرية، وإرضاء المزاج النوعي هنا وهناك.

لنفترض أن فهد ليس بشاعر، هل يمكن أن يكون فهد الذي نعرفه اليوم؟. هذه نظرة لها أبعادها البعيدة عن العاطفة، ليس بـ "لا" أو "نعم". التفكير قائم على نوع الشخصية، بغض النظر عن ماهية الفكرة، ربما تنضج الفكرة، لكن بلا كفاءة، وربما توجد الكفاءة، لكن الفكرة لا زالت بدائية، هذا نقيض ذاك، اختلاق الشخصية هو الأهم، صناعة الذات هو نقطة البداية نحو النجاح، معرفة الذائقة العامة أمر ذكي لا ينجح فيه شخص عاطفي، لأنه يتطلب استراتيجية قيّمة، وللرؤية في شخصيّة فهد أنه ليس مجرد شاعر فحسب، بل اجتماعي وحدسي بالكم الذي يناسبه.

حقيقة، أجد في شاعرية فهد لمسات فنيّة، وارتدادات قادمة من تجربة ذكية، ففي قصيدته "حوار بين الهاجس الطبيعة" نفوذ غير مباشر في مزاجية الشارع العام سياسيًّا وغزليًّا، وتصدّر البيت الأخير في القصيدة إثارة غير مباشرة بالنسبة للمتلقي العام، ودهشة للذائقة المعتادة.

أمّا عفوية بن جعموم فهي جرأة مباشرة يفتعلها لخلخلة المسار الفني كي يتسبب بعصف ذهني لدى من يعتقد أن العقل مركز النجاح، فالمشاغبة الذكية القادمة من القلب المباشر؛ تؤيد فكرة النضج على نجاح المحتوى، فلو لك يكن فهد مشاغبًا ذكيًّا، لم نجح في الوصول، الشعر وحده غير كافٍ في ترويض الجمهور، لأن الذائقة لم تصل بعد لتكون عالية، فاختزل فهد الشعر والعفوية، كون الشعر غاية، والعفوبة المفرطة غاية.

وكشخصية وطنية، بما أن الشعر غاية، إذًا فالوطنية غايتان، فمقدرة الشعر على محاربة العقل، مثل مقدرة السلاح على محاربة الجسد، ولفهد مواقف ثورية في قصائده، قد ربما ليست مباشرة، لكنها واضحة لدى جمهور التجلّيات، ففهد له سياسته الخاصة في الحفاظ على قاعدته الجماهيرية في الشمال، وليس من المنطق أن يخسرهم بشكل عصبي لدى بني جلدته في الجنوب، فالشاعر قبل أن يكون ثائر، لا بد أن يكون إنسان سامي، حتى في قسوته رقة ودهشة.

وأكثر ما يحسب لأي شاعر أو مشهور هو إنسانيته في مواقف القدرة على المساعدة، وكثير ما استصعبت مهمات عتق رقاب أو دفع تكاليف مرض لدى عائلة في فردٍ منها، فتقدّم فهد مهمة الحشد ببسالة، وعلى مضي ساعات قليلة من بدء حملة التبرعات؛ نتفاجأ أن المبلغ الخيالي قد اكتمل قبل أن يأخذ اليوم لفة كاملة في محور الزمن!.

أمضِ يا فهد، هذا الصعود مشرّف، وجود الزلات البسيطة أمر طبيعي في سيكلوجية الإنسان، ومحاولات الإسقاط طبيعية جدًا بالنسبة لشخص يعرفه الجميع. سعة الصدر مطلوبة، مثل العفوية في تقديم المحتوى، يجب العفوية في طريقة التلقي.